تحذير من مسالك الغدر الخفي ووجوب نصرة الإخوان ومواساتهم
مقدمة (خطبة الحاجة)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 70-71).
أما بعد:
فإن من أعظم المحرمات التي حذرت منها الشريعة الغراء وزجرت عنها نصوص الوحيين زجراً بليغاً هو خلق الغدر ونقض العهود والمواثيق. وإننا لنرى في زماننا هذا كيف يستخف كثير من الناس بهذا الذنب العظيم، وينظرون إلى آيات الوعيد وأحاديث التخويف نظرة قاصرة خالية من المراقبة الذاتية ومحاسبة النفس، حتى صار الرجل يقرأ النص فلا يرى فيه إلا غيره، مبرئاً نفسه من شائبة هذا خلق الوبيل. وفي هذه الرسالة العلمية المباركة، نسعى بتوفيق الله عز وجل إلى تبيين حقيقة الغدر، واستجلاء صوره الخفية ومسالكه الدقيقة التي قد يقع فيها العبد وهو لا يشعر، متوسلين بالتحذير الشرعي لبعث الهمم نحو الوفاء بالعهود ونصرة الإخوان ومواساتهم في السراء والضراء، سائلين الله عز وجل أن يجنبنا مسالك الخذلان والغدر، ويهدينا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو.
تنبيهات وقواعد منهجية
القاعدة الأولى: لزوم محاكمة النفس قبل إسقاط نصوص الوعيد على الآخرين
يجب على العبد المسلم إذا قرأ أو سمع آية أو حديثاً فيه زجر ووعيد عن خلق ذميم، أن يسقط ذلك على نفسه أولاً بالتحقيق والمحاسبة، ولا ينصرف ذهنه لتصنيف العباد وإخراج نفسه من دائرة التكليف والتحذير، فإن هذا المسلك هو عين الغرور وسبيل الهلاك.
القاعدة الثانية: شمولية مفهوم العهد في الشريعة وشمول الغدر لنقضه
العهد في المنظور الشرعي ليس مقصوراً على العقود المالية أو المعاهدات السياسية، بل يشمل كل ميثاق اجتماعي وديني كالأخوة والقرابة والصحبة والجوار. فكل تخلٍ عن مقتضيات هذه الروابط من نصرة ومواساة هو نقض للعهد ودخول في مسمى الغدر.
القاعدة الثالثة: العبرة بالأفعال وتفويت الحقوق لا بالنيات والمقاصد المجردة
تقرر القواعد الفقهية أن تفويت الواجبات وإلحاق الضرر بالآخرين من قطع صلة وتضييع حقوق يُعد ذنباً ومظلمة تترتب عليها آثارها الشرعية، ولا يقبل من فاعلها عذر عدم القصد أو الانشغال؛ لأن الأمانات مؤداة بالعمل لا بمجرد النيات الباطنة.
القاعدة الرابعة: تناسب إثم الغدر والقطيعة مع درجة القرب والرحم
تقتضي القواعد الشرعية أن عظم الذنب يزداد بحسب شرف الزمان أو المكان أو متعلق الحق. فكلما كان المغدور به أقرب صلة وأعظم حقاً كالوالدين والأقارب والجيران، كلما كان إثم الغدر به أشنع وعقابه أعجل وأشد.
خاتمة
وفي الختام، نسأل الله جل في علاه أن يطهر قلوبنا من الغدر والخيانة، ويزكي نفوسنا بالوفاء والبر والصلة. فالحذر الحذر يا عباد الله من تضييع الحقوق وتناسي أهل الفضل والصلة، وعليكم بتفقد أحوال والديكم وأقاربكم وجيرانكم وإخوانكم، ومواساتهم بالمال والجاه والنصرة، والتحلل من كل ذي حق قبل أن يقف الخلائق بين يدي ديان السموات والأرض، حيث لا تنفع المعاذير وتكشف السرائر وتنصب الألوية للغادرين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
التعليقات والأسئلة حول الدرس
شارك بأسئلتك أو فوائدك المستنبطة من هذا الدرس
سجل دخولك لتتمكن من كتابة تعليق أو طرح استفسار حول هذا الدرس.