أليس هذا من الغدر؟!
تحذير من مسالك الغدر الخفي ووجوب نصرة الإخوان ومواساتهم
مقدمة (خطبة الحاجة)
الفصول والفوائد العلمية
الفصل الأول: آفة النظرة القاصرة لنصوص الوعيد والنهي الشرعي
إن من أعظم الأدواء التي تصيب العبد في باب التدين وتورده المهالك، هي تلك النظرة القاصرة التي ينظر بها إلى نصوص الوعيد والمناهي الشرعية. فكثير من المسلمين اليوم -ولا نبرئ أنفسنا من هذا الداء العضال- حينما يمرون بالآيات والأحاديث التي تذم الأخلاق السيئة والذنوب الموبقة كالغدر والخيانة والظلم والنفاق، ينصرف ذهنهم مباشرة إلى أشخاص بأعيانهم ممن يظنون فيهم هذه الصفات، أو يوجهون التهمة إلى فلان وفلان من الناس بوصفهم المتصفين بهذا الخلق القبيح، وكأنهم هم بمعزل عن الخطأ وعن الوقوع في تلك المنهيات. إن هذه النظرة القاصرة تحجب عن العبد حقيقة عيوبه، وتجعله غافلاً عن تفقد باطنه ومحاسبة جوارحه، فلا يتدبر نصوص الشريعة تدبراً إسقاطياً على نفسه، بل يجعلها أداة لتصنيف الآخرين وتتبع عثراتهم. ولهذا فإن هذه الغفلة وهذا البرود الإيماني هما سبب هلاكنا في كثير من القضايا السلوكية والعملية؛ إذ يظن الإنسان نفسه ناجياً مبرأً، والحال أنه متلبس ببعض شعب هذه الكبائر والموبقات. والمؤمن الحق هو الذي يستشعر الخوف والوجل من مجرد قراءة النص، فينبغي له أن يتوجس خيفة من أن تكون فيه خصلة من النفاق أو الغدر وهو لا يشعر، عملاً بهدي السلف الصالح رضي الله عنهم الذين كانوا أبعد الناس عن النفاق والظلم، وكانوا أشد الناس خوفاً على أنفسهم منهما، كما قال ابن أبي مليكة رحمه الله: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه"، فلا يليق بالمسلم أن يقرأ نصوص الزجر فيمر عليها مرور الغافلين، بل الواجب عليه إسقاطها على سلوكه وتصرفاته اليومية، مخافة أن يكون من الهالكين الخائنين.
الفصل الثاني: وجوب محاسبة النفس وعرضها على نصوص الوحيين
إن العبد المؤمن الذي وقر الإيمان في قلبه وعلم حقيقة الدنيا وزوالها، واستحضر فزع يوم الحساب والوقوف بين يدي رب العالمين، لا يمر بنهي شرعي أو تحذير رباني إلا وعرض نفسه عليه عرضاً دقيقاً مستقصياً. فالواجب الشرعي يقتضي أن يتهم العبد نفسه أولاً بالتقصير والوقوف على شفا الهلاك، فيسأل ربه السلامة والعافية تارة، ويحاسب نفسه تارة أخرى متسائلاً: هل وقعت أنا في هذا الذنب المشين؟ هل غدرت بفلان يوماً ما؟ هل نقضت عهداً أو فرطت في ميثاق؟ إن هذا التفتيش الباطني والمحاسبة الصارمة للنفس هما السبيل الوحيد للنجاة من آفات القلوب وسلوك الغافلين. أما الاكتفاء برؤية شرار الخلق الذين اشتهروا بالخيانة والغدر، والتعجب من صنيعهم والوقوف عند حد الاستعاذة من أحوالهم دون تفقد النفس، فهو مسلك العاجزين وموطن الهلاك الخفي. إن المؤمن يدرك تمام الإدراك أن النفوس مجبولة على الشح والتقصير، وأن غواشي الدنيا وفتنها قد تزين له جفاء الإخوان وتضييع الحقوق، فإذا لم يكن له رقيب من نفسه يحاسبها على الكلمة والخطرة والدرهم والدينار والمواقف والصلات، انفرط عليه أمره وضاع وفاء عهده. لذلك كان لزاماً على كل طالب نجاة أن يعيد النظر في شبكة علاقاته ومواقفه مع عباد الله، وأن يمحص تصرفاته ومسلكياته بميزان الشريعة الصافي، ليرى مواضع الخلل فيصلحها ويستغفر منها، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم معافى من الغدر والغل للأوفياء.
الفصل الثالث: التحديد العلمي لحقيقة الغدر في اللغة والشرع
يدور مفهوم الغدر في أذهان العامة حول صور نمطية معينة، كالطعن في الظهر بالخنجر، أو إفشاء السر الحربي، أو الغيبة والنميمة وتأليب الأعداء في الخفاء. ولكن عندما نرجع إلى التحقيق العلمي، ونبحث في لسان العرب وتعاريف العلماء المحققين، نجد أن حقيقة الغدر أوسع من ذلك بكثير وأدق مسلكاً. فالغدر في لغة العرب وفي اصطلاح أهل الشريعة هو "نقض العهد" وترك الوفاء بما التزم به المرء لفظاً أو حالاً. والعهد في المنظور الإسلامي ليس مجرد وثيقة مكتوبة أو كلمة مغلظة باليمين فحسب، بل هو يشمل كل عقد ورباط وولاية وصحبة وصداقة تنشأ بين المسلمين. فالشريعة الإسلامية المطهرة جاءت لتؤكد قيم الأمانة والوفاء في أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية والتعاملات اليومية، ولم تقصر النهي عن الغدر على الشؤون السياسية أو المعاهدات الكبرى بين الدول فحسب. إن نقض العهد الذي هو حقيقة الغدر يقع بمجرد تخلّي العبد عما يوجبه عقد الأخوة الإيمانية أو الصحبة الإنسانية من النصرة والمؤازرة والدفاع عن الغائب والمواساة بالمال والنفس والمجهود. وبناءً على هذا التأصيل العلمي، يتضح أن كثيراً من التصرفات الاجتماعية التي يظنها فاعلها من الأمور الهينة أو المسلكيات الشخصية المباحة، هي في ميزان الشريعة الغراء من صور الغدر المحرمة التي يستحق صاحبها اللوم في الدنيا والعقوبة الأليمة في الآخرة، وهو ما يستدعي الحذر التام والوعي بمقاصد الشريعة في صيانة العلاقات وبناء صروح الأمان والوفاء والصدق مع الخلق أجمعين.
الفصل الرابع: ميثاق الصحبة وحقوق الوفاء في الجاهلية والإسلام
لقد كانت للعرب في الجاهلية أخلاق وقوانين مرعية في باب الصحبة والرفقة، حيث كانوا يعظمون حق الصاحب ويعدون الوفاء له ديناً ومروءة، وكان من قوانينهم غير المكتوبة أن الصاحب لا يخذل صاحبه ولا يسلمه للنوائب والمحن، بل يواسيه بدمه وماله ويدافع عن حياضه. فلما جاء الإسلام العظيم أقر محاسن هذه الأخلاق ورفع من شأنها، ونقلها من حمية الجاهلية وعصبيتها إلى رحاب العبودية لله رب العالمين وعقد الأخوة الإيمانية الوثيق. ومن هنا، فإن إخلال العبد بحق صاحبه وصديقه الذي تربطه به علاقة صحبة وألفة، وتركه إياه يصارع محن الدنيا وحده دون نصرة ولا تواصل ولا مدافعة ولا مواساة مع القدرة على ذلك، هو عين الغدر والخذلان الذي نهت عنه الشريعة وزجر عنه الحق تبارك وتعالى. فالأصل في عقد الصحبة أنه ميثاق أخلاقي يوجب التضامن والتعاضد؛ فإذا تخلى المرء عن أخيه في وقت الشدة والضيق، أو قطع حبال المودة والتواصل معه بعد أن استغنى، فقد غدر بميثاق الصحبة ونقض عهد الرفقة. إن الصحبة الحقيقية ليست مجرد لقاءات عابرة أو تبادل للمصالح الدنيوية الزائلة، بل هي التزام ديني وأخلاقي بالوقوف مع الأخ المسلم في أوقاته العصيبة، والذب عن عرضه في مغيبه، وتفقد أحواله بالمعونة والمواساة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (رواه البخاري). فكل إخلال بهذا الميزان هو شائبة من شوائب الغدر الممقوتة التي تذهب بالمروءة وتمحق بركة العمر والعمل.
الفصل الخامس: فتنة تقلب الأحوال ونشوء الجفاء والتبدل المادي
من أعظم الابتلاءات التي يتعرض لها العبد في مسيرته الدنيوية هو تقلب الأحوال وانتقاله من الفقر والشدة إلى الغنى والرخاء وسعة العيش. فكم من إنسان كان في بداية أمره فقيراً محتاجاً، يعيش بين إخوانه وأقاربه يشاركونه همومه وآلامه، ويسعون في إعانته ومواساته ويدفعون عنه فاقة العيش بجهدهم ومالهم ومودتهم؛ فلما انفتحت عليه الدنيا، ويسر الله له سبل الكسب الرغيد، وتزوج وأنجب الأبناء وتولى المناصب الرفيعة وركب المراكب الفارهة، تغيرت حاله وتنكر لإخوانه القدامى الذين كانوا معه في خندق الفقر والحاجة. إن هذا الانقطاع والتناسي لأهل الفضل والإحسان والرفقاء القدامى يعد من أشنع صور الغدر الاجتماعي؛ حيث يقطع المرء حبال التواصل معهم، ويترفع عن مجالستهم أو مساعدتهم، وكأنه لم يكن يوماً شريكاً لهم في معاناة الحياة. والأسف كل الأسف أن الفاعل لهذا المسلك الشائن يبرر لنفسه هذا الجفاء بمسوغات واهية، ويزعم أنه مشغول بمصالحه الخاصة وأعماله الجديدة، أو يدعي أنه لم يقصد الغدر ولم يتعمد الإساءة. غير أن الشريعة لا تلتفت إلى هذه التبريرات الواهية؛ لأن التفريط الفعلي في أداء الحقوق والتنكر لذوي الفضل هو غدر حقيقي بالجميل وبالمواثيق الإنسانية والإيمانية، يستوجب المقت من الله والناس، فالوفاء الحق هو الذي يثبت عند تقلب الأحوال وإقبال الدنيا، ولا يتأثر بزينة الحياة الفانية ورونقها الزائل.
الفصل السادس: تهافت الاعتذار بعدم القصد في تفويت الحقوق الواجبة
يتذرع كثير من الناس عند وقوعهم في جفاء إخوانهم وأقاربهم وقطع حبال التواصل معهم بأنهم لم يقصدوا الغدر، ولم يخطر ببالهم نقض العهود، وإنما هي مشاغل الحياة ولهو الدنيا التي صرفتهم عن ذلك. وهذا عذر تهافت متساقط لا يقام له في ميزان الفقه والنظر الشرعي وزن؛ لأن الأحكام في باب الحقوق وأداء الأمانات ترتبط بحقيقة الأفعال وتفويت الواجبات، ولا تعلق لها بمجرد النيات الباطنة والقصد القلبي للغدر. فمن غدر بأخيه أو قريبه بترك نصرته ومواساته وتفقد أحواله، فقد وقع في حقيقة الغدر وجنى إثمه، سواء قصد بقلبه نقض العهد أو لم يقصد، إذ العبرة بوقوع الخذلان الفعلي وضياع الحقوق الواجبة. إن الشريعة الإسلامية بنت أحكامها على رعاية المصالح ودرء المفاسد وحفظ الذمم، فلو كان مجرد ادعاء عدم القصد مسقطاً للإثم واللوم، لتعطلت الحقوق وضاعت الأمانات واستهان الناس بأقرب الناس إليهم تحت مظلة الانشغال والغفلة. إن هذا التبرير النفسي ما هو إلا من كيد الشيطان وتزيينه للعبد ليظل مستمراً في تقصيره وجفائه دون أن يشعر بوجع التوبة أو وخز الضمير. وعلى المرء أن يعلم أن سؤاله يوم القيامة سيكون عن الواجبات التي ضيعها والحقوق التي فرط فيها، وليس عن النيات المجردة التي لم تترجم إلى أفعال من الوفاء والصلة والنصرة، فالتنصل الفعلي من المسؤوليات والقرابات هو الغدر بعينه ولا ينفع معه اعتذار.
الفصل السابع: قيام الحجة المغلظة على من بلغتهم النصوص الشرعية
إن المسؤولية تشتد، والحجة تعظم وتغلظ على من منَّ الله عليهم بطلب العلم وقراءة نصوص الكتاب والسنة والاطلاع على المناهي الشرعية والآداب النبوية. فالجاهل الذي لم تبلغه النصوص ولم يتعلم أحكام الأخلاق والآداب قد يعذر بجهله في بعض المواطن، وإن كان مقصراً بترك التعلم، أما من قرأ الآيات التي تذم الغدر والقطيعة، وسمع الأحاديث التي تتوعد الغادر بلواء ينصب له يوم القيامة يعرف به بين الخلائق، فإن الحجة قائمة عليه أشد القيام، ومسؤوليته أمام الله أعظم وأخطر. فكيف يسوغ لمن علم هذه النصوص الخطيرة أن يمارس الجفاء والقطيعة في حق والديه وأقربائه وإخوانه؟ وكيف يليق به أن يكون مطلعاً على وعيد الخذلان ونقض العهود، ثم هو يعيش في غفلة تامة عن تطبيق هذه الأخلاق في واقعه العملي وشبكة علاقاته الشخصية؟ إن هذا الانفصال بين العلم والعمل هو من أعظم أسباب مقت الله للعبد، كما قال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3). فلزاماً على من تيسر له سماع المواعظ وقراءة الكتب أن يكون أسرع الناس إلى الوفاء، وأبعدهم عن مظان الغدر والقطيعة، وأن يستشعر أن كل نص يقرؤه هو حجة له أو عليه يوم تبلى السرائر وتنكشف الحقائق، ولا عذر لعالم بحدود الله إذا هو تعدى طوره وضيع عهده.
الفصل الثامن: شناعة الغدر بذوي القربى وعقوق الوالدين عند الكبر
تتفاوت مراتب الذنوب بتفاوت متعلقاتها والجهات التي تقع فيها؛ ومن هنا فإن إثم الغدر يعظم ويشتد وزره كلما كان الشخص المغدور أقرب صلة وأعظم حقاً. وأقبح صور الغدر وأشنعها على الإطلاق هو ما يقع في حق الوالدين الكبار وأولي الأرحام والأقارب. فالوالدان اللذان بذلا زهرة شبابهما وصحتهما في تربية الولد ورعايته وإيثاره على أنفسهما، يستحقان أعظم درجات الوفاء والبر والمصاحبة بالمعروف. فإذا كبر الوالدان أو أحدهما، واحتاجا إلى معونة الولد ومواساته وقربه، ثم هو يقابل ذلك بالجفاء والنسيان والقطيعة، منشغلاً بزوجته وأولاده وتجارته، تاركاً إياهما يعانيان الوحدة والضعف والمرض، فإن هذا الصنيع هو قمة الغدر والخيانة للجميل، وعقوق غليظ يوجب سخط الله وعقابه المعجل في الدنيا قبل الآخرة. وكذلك الحال مع الأخوات والإخوة والأقارب الذين تربطهم بالعبد أواصر الدم والرحم؛ فالتنكر لحقوقهم وقطع صلتهم عند الاستغناء عنهم هو من الموبقات العظام التي تقطع ما أمر الله به أن يوصل، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: 22-23). فليتق الله كل امرئ في رحم وصلاها الله، وليحذر من قطعها فإن في قطعها الخسران المبين والخذلان الأليم في الدارين وعقوبته معجلة للمفرط.
الفصل التاسع: غدر الجوار والتنكر لحق الجار القديم والضعيف
إن حق الجوار في الشريعة الإسلامية حق عظيم وكبير، فقد تضافرت نصوص الوحيين في التوصية بالجار والإحسان إليه وصيانة حرمته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (متفق عليه). ومن صور الغدر الخفية التي يغفل عنها الكثيرون، تضيع حق الجار القديم والضعيف بعد رحيل العبد وانتقاله إلى معيشة أفضل. ويسوق الشيخ حفظه الله في محاضرته مثالاً واقعياً يلامس شغاف القلوب؛ وهو مثال تلك المرأة العجوز الطاعنة في السن، التي كبر معها العبد في حارة واحدة، وكانت بمثابة أم ثانية له، ترعاه في طفولته وتستقبله في بيتها وتخفف عن أمه وعثاء التربية، فإذا كبر هذا الولد، وفتح الله عليه بأسباب الرزق والعمل والسيارة والمنزل الجديد في حي راقٍ، رحل وتركها وراء ظهره نسياً منسياً. وتمر السنوات وتلك العجوز الطيبة تصارع الشيخوخة والمرض وفقد البصر والسكري، فلا يزورها ولا يسأل عنها ولا يواسيها بماله وجاهه، بل قد يسمع بوفاتها فلا يكلف نفسه مشقة حضور جنازتها أو تعزية أهلها لقلة اهتمامه. أليس هذا المسلك المشين من صميم الغدر والتنكر للجميل؟! إن الجار الضعيف الذي قدم لك ولعائلتك الإحسان في زمن الحاجة يستحق منك الوفاء والسؤال والصلة طيلة حياته، وإن تركه وإهماله في مرضه وعجزه هو وصمة عار في جبين المروءة والدين، ونقض صارخ لعقد المودة.
الفصل العاشر: مشهد لواء الغدر المفضوح وعقوبة الخائنين يوم القيامة
يرسم لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم مشهداً مهيباً ومرعباً من مشاهد يوم القيامة، حيث تتجلى فيه العدالة الإلهية في فضح الغادرين والخائنين أمام رؤوس الأشهاد. فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان". وفي هذا النص النبوي وعيد شديد يخلع قلوب الخائفين؛ إذ يبعث كل غادر ونقاض للعهود يوم القيامة ومعه راية أو لواء منصوب يعرف به بين الخلائق، ليكون علامة على خيانته وفضيحة له أمام الخلائق أجمعين من الأولين والآخرين. وتخيل يا عبد الله هذا الموقف العصيب؛ حين تقف في ذلك المحشر العظيم والناس ينظرون إليك ولواؤك مرفوع يشهد عليك بأنك غدرت بوالديك، أو غدرت بصاحبك الذي نصرك في محنتك فخذلته في محنته، أو غدرت بجارتك العجوز التي أحسنت إليك فتركتها للموت والمرض دون صلة. إن فضيحة القيامة أشد وأعظم من فضيحة الدنيا، وإن العقاب الأخروي لا يقادر قدره. فالمتعين على العبد الناصح لنفسه أن يسارع اليوم -وهو في زمن الإمهال وبحبوحة العمر- إلى حل هذه المعاقد وتصفية المظالم وأداء الحقوق إلى أهلها، والتحلل من أصحاب الحقوق وصنع المعروف والتزام الوفاء قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار وإنما هي الحسنات والسيئات، والوقوف الأليم بين يدي العزيز الجبار.
تنبيهات منهجية وقواعد سلفية
القاعدة الأولى: لزوم محاكمة النفس قبل إسقاط نصوص الوعيد على الآخرين
يجب على العبد المسلم إذا قرأ أو سمع آية أو حديثاً فيه زجر ووعيد عن خلق ذميم، أن يسقط ذلك على نفسه أولاً بالتحقيق والمحاسبة، ولا ينصرف ذهنه لتصنيف العباد وإخراج نفسه من دائرة التكليف والتحذير، فإن هذا المسلك هو عين الغرور وسبيل الهلاك.
القاعدة الثانية: شمولية مفهوم العهد في الشريعة وشمول الغدر لنقضه
العهد في المنظور الشرعي ليس مقصوراً على العقود المالية أو المعاهدات السياسية، بل يشمل كل ميثاق اجتماعي وديني كالأخوة والقرابة والصحبة والجوار. فكل تخلٍ عن مقتضيات هذه الروابط من نصرة ومواساة هو نقض للعهد ودخول في مسمى الغدر.
القاعدة الثالثة: العبرة بالأفعال وتفويت الحقوق لا بالنيات والمقاصد المجردة
تقرر القواعد الفقهية أن تفويت الواجبات وإلحاق الضرر بالآخرين من قطع صلة وتضييع حقوق يُعد ذنباً ومظلمة تترتب عليها آثارها الشرعية، ولا يقبل من فاعلها عذر عدم القصد أو الانشغال؛ لأن الأمانات مؤداة بالعمل لا بمجرد النيات الباطنة.
القاعدة الرابعة: تناسب إثم الغدر والقطيعة مع درجة القرب والرحم
تقتضي القواعد الشرعية أن عظم الذنب يزداد بحسب شرف الزمان أو المكان أو متعلق الحق. فكلما كان المغدور به أقرب صلة وأعظم حقاً كالوالدين والأقارب والجيران، كلما كان إثم الغدر به أشنع وعقابه أعجل وأشد.
القصص واللطائف التربوية
لطيفة تربوية: قانون الصحبة في الجاهلية وفقه الإسلام
ينبه الشيخ حفظه الله إلى أن مروءة العرب في الجاهلية كانت تأبى خذلان الصديق أو التفريط في الصاحب، وتعد ذلك عاراً كبيراً. فكيف بمسلم يستظل بظل الإسلام وعقيدة التوحيد، ثم يقطع إخوانه وينساهم في محنتهم؟ إن الشريعة جاءت لتهذيب المروءات وإقرار الوفاء، والوفاء للإخوان من صميم إيمان العبد وسلوكه المرضي.
قصة من واقعنا: العجوز وجارها المستغني
ضرب الشيخ مثالاً واقعياً مؤثراً بامرأة عجوز طاعنة في السن كانت تعين جيرانها وتربي أبناءهم، فلما كبر أحد هؤلاء الأبناء واغتنى وتملك مركباً فخماً وانتقل لحي آخر، نسيها تماماً فلم يسأل عن مرضها بالسكري وفقدها لبصرها، ولم يحضر جنازتها عند وفاتها. وهذا الموقف الواقعي يمثل مرآة لواقع كثير من الناس الذين طغت عليهم الماديات فتنكروا لأصحاب الفضل والجوار.
وصية ختامية
وفي الختام، نسأل الله جل في علاه أن يطهر قلوبنا من الغدر والخيانة، ويزكي نفوسنا بالوفاء والبر والصلة. فالحذر الحذر يا عباد الله من تضييع الحقوق وتناسي أهل الفضل والصلة، وعليكم بتفقد أحوال والديكم وأقاربكم وجيرانكم وإخوانكم، ومواساتهم بالمال والجاه والنصرة، والتحلل من كل ذي حق قبل أن يقف الخلائق بين يدي ديان السموات والأرض، حيث لا تنفع المعاذير وتكشف السرائر وتنصب الألوية للغادرين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
