23 أوت 2024 أبو معاذ محمد مرابط

استمع ثم أجب نفسك: برٌ أم غرور؟! |🎙للشيخ أبي معاذ محمد مرابط -وفقه اللّه-

محاور وفصول الدرس 11

تحذير من ركون النفس إلى العمل وعلاج آفة الغرور في باب بر الوالدين

مقدمة الكتاب والمدخل إلى معالجة الغرور

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 70-71). أما بعد؛ فإن من أعظم الطاعات وأجل القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى بعد التوحيد هو بر الوالدين والإحسان إليهما. وهو حق قرنه الله عز وجل بعبادته وتوحيده في آيات كثيرة من كتابه العزيز. ولكن الشيطان، المتربص بالعباد الدوائر، قد يدخل على أهل الصلاح والعبادة من باب دقيق وخفي، ألا وهو باب الغرور بالعمل والركون إلى ما قدموه، فيوهمهم أنهم بلغوا الغاية في البر وأدوا كامل الحقوق، مما يورث في نفوسهم الغفلة والفتور عن الاستزادة. وهذه الرسالة العلمية الوجيزة هي ذكرى وتنبيه لنفسي أولاً، ولكل مؤمن يبتغي مرضاة ربه، لبيان خطورة آفة الغرور في باب بر الوالدين، وبيان كيد الشيطان وتزيينه للتقصير، ودعوة صادقة لتجديد العهد بالوفاء وبذل المهج في طاعة الوالدين قبل أن يفوت الأوان وتطوى صحائف الأعمال.

تنبيهات وقواعد منهجية

الضابط الأول: تلازم شكر الله تعالى وشكر الوالدين في القبول

دل قوله تعالى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (لقمان: 14) على تلازم وثيق بين شكر الخالق وشكر الوالدين؛ فلا يقبل الله من عبد شكراً له إذا كان مقصراً في شكر والديه، كما أثر ذلك عن حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا يوجب على المسلم استشعار عظم المسؤولية وألا يغتر بكثرة صلاته أو عبادته مع تقصيره في حق والديه.

الضابط الثاني: وجوب تفقد أحوال الوالدين ومبادرة الخدمة دون انتظار الطلب

البر الحقيقي لا يقوم على الاستجابة لطلب الوالدين فحسب، بل على المبادرة وتفقد أحوالهما سراً وجهراً. فالوالدان بدافع حنانهما وعفتهما قد يصمتان عن إظهار الحاجة أو المرض، والواجب الشرعي يقتضي من الابن أن يفتش في بيتهما القديم ويسعى في خدمتهما دون أن يُلجئهما إلى الطلب أو الشكوى.

الضابط الثالث: تقديم حق الوالدين على شواغل الاستقلال الأسري والمهني

إن مرحلة الزواج والاستقلال السكني أو الوظيفي هي موطن اختبار عظيم للعبد؛ حيث يجب شرعاً تقديم حقوق الوالدين وخدمتهما على نوافل العبادات وعلى متطلبات الترف الأسري والمهني، ولا يجوز اتخاذ المشاغل الزوجية أو العمل أعذاراً تبرر فتور الصلة أو تقليل الزيارات البدنية.

الضابط الرابع: البركة عوض إلهي مضمون لمن بذل وقته وماله لوالديه

كل ما يبذله العبد من وقته وجسده وماله وراحته في سبيل إدخال السرور على والديه ليس هدراً ولا تضييعاً لمصالحه الدنيوية، بل هو باب البركة الأعظم؛ إذ يعوضه الله تعالى خيراً مما بذل في أهله وماله ونفسه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً" ولأن الجزاء من جنس العمل ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

خاتمة

وفي الختام، نسأل الله جل وعلا أن يوقظ قلوبنا من رقدة الغفلة، وأن يعيذنا من داء الغرور بالعمل. أخي الحبيب، أختي الكريمة، إن الوالدين بابان من أبواب الجنة مفتوحان أمامكم الآن، فاستثمروا في وجودهما، وأسرعوا في إرضائهما بالقول والفعل والخدمة البدنية وتدليك الأقدام وإدخال السرور بتقديم الهدايا والأطعمة التي يحبونها، ولا تسوفوا أو تعتذروا بكثرة الأشغال وتزيين الشيطان. اعلموا أن الموت يتربص بنا وبهم، فاجتهدوا قبل أن يسكنا القبور وتصبح البيوت فارغة لا نملك فيها إلا البكاء على الأطلال. ألا وصلوا وسلموا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

التعليقات والأسئلة حول الدرس

شارك بأسئلتك أو فوائدك المستنبطة من هذا الدرس

سجل دخولك لتتمكن من كتابة تعليق أو طرح استفسار حول هذا الدرس.

دخول
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك بفائدة!

التفريغ الصوتي للدرس

553 فقرة
الشيخ أبو معاذ محمد مرابط
الشيخ أبو معاذ محمد مرابط العقيدة والمنهج السلفي

عفا الله عنه وعن والديه

منصات المتابعة والتواصل

الجزائر العاصمة، الجزائر
© 2026 جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ أبي معاذ محمد مرابط. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان