استمع ثم أجب نفسك: برٌّ أم غرور؟!
تحذير من ركون النفس إلى العمل وعلاج آفة الغرور في باب بر الوالدين
مقدمة الكتاب والمدخل إلى معالجة الغرور
الفصول والفوائد العلمية
الفصل الأول: توجيه الخطاب وتنبيه أولي الألباب من أهل البر والانتساب
إن الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يستهل فضيلة الشيخ حفظه الله حديثه بلفتة منهجية دقيقة للغاية، حيث يعمد إلى تحديد الفئة المستهدفة بهذا الخطاب الوعظي والتربوي. فهو لا يوجه كلامه في هذا المقام لأولئك الذين غرقوا في وحل العقوق الصريح، والذين قطعوا حبال الصلة بآبائهم وأمهاتهم علانية؛ فهؤلاء شأنهم آخر وعلاجهم يقتضي مقامات أخرى من الزجر والوعيد والتخويف من العقوبة العاجلة والآجلة. وإنما يوجه الشيخ كلماته الناصحة بصدق وعمق إلى من يُظن بهم الخير ويُعرفون بالصلاح، وهم "أصحاب البر" الذين يظنون في أنفسهم أنهم أدوا الواجب وقاموا بحق الوالدين خير قيام. إن هذا التوجيه يحمل في طياته إشفاقاً كبيراً على الصالحين من مغبة الوقوع في شراك النفس الأمارة بالسوء، والتي قد تزيّن للمرء طاعته القليلة وتضخمها في عينيه حتى يرى نفسه في مقام الكمال. والهدف من هذا التخصيص هو كسر جدار الطمأنينة الزائفة التي قد يركن إليها البارّ، وتنبيهه إلى مواطن الخلل والتقصير التي قد تخفى عليه في غمرة مشاغل الحياة ومسؤولياتها. فالنفس البشرية ميالة بطبعها إلى رؤية محاسنها وتناسي عيوبها، وإذا لم تجد ناصحاً يوقظها من رقدتها فإنها تقع صريعة الغرور بالعمل، وهو آفة تحبط السعي وتمنع الازدياد من الخير. لذلك كان هذا الخطاب كالمشرط الطبي الذي يشخص الداء الخفي في قلوب من نحسبهم على خير، ليعيدهم إلى جادة المحاسبة والمجاهدة الدائمة في أعظم أبواب القربات بعد توحيد رب الأرض والسماوات.
الفصل الثاني: آفة القناعة والرضا عن النفس في باب بر الوالدين
يتناول الشيخ في هذا الفصل ظاهرة اجتماعية ونفسية بالغة الخطورة تفشت في أوساط الكثير من الأبناء، وهي قضية القناعة والاكتفاء في باب البر. وتتجلى هذه آفة في افتخار البعض بما يقدمونه لوالديهم من نفقات مالية أو هدايا عينية، كدفع تكاليف فريضة الحج أو رحلات العمرة، أو توفير المسكن المريح والمأكل الطيب. فتجد الألسنة تلهج بالحديث عن هذا البذل المادي وكأنه الثمن الوافي والوفاء التام للحقوق المترتبة عليهم، بل إن البعض يذهب بعيداً في الاغترار بدعاء والديه له بالخير والرضا، متخذاً من ذلك صك أمان وشهادة براءة من التقصير. إن هذا الشعور الكاذب بالاكتفاء والرضا عن النفس هو عين الغرور الذي يحجب العبد عن نيل مراتب الإحسان العالية. فالبر ليس صفقة مالية تُقضى وتنتهي بمجرد دفع الثمن، وليس عبءاً يلقيه الابن عن كاهله ليستريح، بل هو عبادة مستمرة وقائمة على التذلل والرحمة والخدمة البدنية والروحية. إن الرضا عن النفس في هذا الباب هو أول خطوات الخذلان، لأنه يورث الفتور ويقطع طريق المجاهدة. والواجب الشرعي والمسلك السلفي يقتضي من العبد أن يرى نفسه دائماً مقصراً ومفرطاً في حق والديه مهما قدم وبذل؛ لأن حق الوالد عظيم، وما يقدمه الابن لا يمكن أن يكافئ بحال من الأحوال ما قدمه الوالدان في صغره من رعاية ومكابدة وحب غير مشروط. فكيف يجرؤ مؤمن بعد ذلك على القول بأنه قد أدى ما عليه واستغنى بما قدم؟
الفصل الثالث: الغفلة المقيتة وتحذير الشرع الحكيم منها
ينقلنا الشيخ بعد ذلك إلى بيان داء الغفلة الذي يعد الحاضنة الأساسية لآفة الغرور بالعمل. فالغفلة هي حجاب غليظ يغطي القلب ويحجبه عن رؤية الحقائق والواجبات، وقد ذمها الله تعالى في كتابه الكريم وحذر المؤمنين منها أشد التحذير في مواضع شتى، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 205). وفي سياق بر الوالدين، تتخذ الغفلة أشكالاً خفية ودقيقة؛ إذ قد يكون الابن مواظباً على بعض العبادات الظاهرة والشعائر الدينية، ولكنه غافل بالكامل عن تفقد أحوال والديه النفسية والجسدية، وغافل عن حاجتهما الشديدة إلى قربه ومؤانسته. إن الغفلة تجعل الإنسان يتعامل مع والديه بآلية رتيبة خالية من المشاعر والإخلاص، فيظن أنه بزيارة خاطفة في الأسبوع أو بمكالمة سريعة قد أدى الأمانة، بينما هو في حقيقة الأمر يسبح في بحر من الذهول والتقصير. إن الاستيقاظ من هذه الغفلة المهلكة يتطلب يقظة إيمانية مستمرة، ومراجعة دائمة للنيات والأعمال، ومقارنة مجهوداتنا المتواضعة بما يستحقه الوالدان من رعاية وعناية. فالغافل لا يشعر بتقصيره حتى يقع ما لا تحمد عقباه، وهو زوال النعمة وموت الوالدين، وحينها فقط يستيقظ على حقيقة التفريط ولكن بعد فوات الأوان. لذلك كان التحذير من الغفلة واجباً شرعياً لتصحيح المسار وإحياء القلوب المقصرة في هذا الباب العظيم.
الفصل الرابع: مكايد الشيطان وتزيين العمل السيئ في صورة الإحسان
يكشف هذا الفصل عن مكيدة عظيمة من مكايد إبليس اللعين، الذي نصب حبائله لصرف العباد عن كمال الطاعات وتثبيطهم عنها. ومن أعظم خصائص الشيطان وأساليبه الملتوية أنه لا يأتي البارّ ليأمره بالعقوق الصريح مباشرة لعلمه بصلاح قلبه، وإنما يأتيه من باب تزيين العمل وتقليله في عينه، أو إظهار تقصيره في صورة الإحسان التام. فيزين الشيطان للعبد عمله الناقص حتى يراه حسناً متكاملاً لا شية فيه، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (فاطر: 8). فيستقر في روع العبد أنه بارٌّ محسن وقائم بالواجب، ويشعر بالرضا عن حاله، وهذا الشعور هو الغاية التي يرجوها الشيطان؛ لأنه يقطع عليه طريق التوبة والاستغفار وطلب الزيادة. فيبقى الابن في غفلته يظن أنه يحسن صنعاً، بينما هو يمارس نوعاً من التقصير المقنع والأعذار المزيفة التي يلقيها الشيطان في قلبه، مثل التحجج بضيق الوقت، أو كثرة المشاغل والمسؤوليات، أو ادعاء أن الوالدين في غنى عن مساعدته وخدمته. إن كشف هذا التزيين الشيطاني يقتضي من المؤمن اعتصاماً بالله تعالى، وعرضاً لأعماله على ميزان الشرع الشريف بعيداً عن الهوى وتبريرات النفس الضعيفة، ليعلم يقيناً مواضع الخلل التي تسلل منها الشيطان ليفسد عليه عبادته العظيمة.
الفصل الخامس: تدبر الوصية الربانية العظمى ودلالة اقتران الشكرين
يدعو الشيخ في هذا الفصل إلى تدبر الآية العظيمة من سورة لقمان، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان: 14). إنها وصية جليلة من رب السماوات والأرض وخالق الأكوان، وصية مؤكدة بالغة الأهمية تتطلب من المؤمن وقوفاً طويلاً للتأمل والعمل. فكيف يتجرأ إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر على الادعاء بأنه قد وفى حق هذه الوصية الإلهية وقام بها على أكمل وجه؟ وفي هذه الآية دلالة عظيمة بينها حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بقوله في تفسير هذه الآية بأن من شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه. إن هذا الاقتران العجيب بين شكر الخالق سبحانه وشكر الوالدين يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن رضا الله تعالى معلق برضا الوالدين، وأن شكر نعمة الإيجاد والتربية لا ينفصل عن شكر المنعم الأول جل وعلا. إن هذا التلازم يهز قلوب الغافلين هزاً، ويبين لهم أن قصورهم في شكر والديهم قد يكون سبباً في رد طاعاتهم وشكرهم لله عز وجل، مما يوجب عليهم الحذر الشديد وملازمة الاستغفار والاجتهاد الدائم في نيل رضاهما.
الفصل السادس: استذكار الفضل القديم والتربية الأولى للوالدين
يرشدنا الشيخ إلى علاج عملي وفعال للقضاء على عجب النفس وغرورها، وهو دوام استحضار الفضل القديم للوالدين والرجوع بالذاكرة إلى مراحل الضعف الأولى. تذكر أيها الإنسان كيف كنت جنيناً ضعيفاً تحملك أمك في بطنها تسعة أشهر، تقاسي الأوجاع وتكابد الآلام ﴿وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ (لقمان: 14)، وتتجرع الغصص من أجل أن تخرج إلى النور. ثم تذكر مرحلة الرضاعة والفصال وما فيها من سهر متواصل وتعب مضنٍ، وكيف كانت أمك تحرم نفسها النوم والراحة لتنعم أنت بهما، وتطعمك وتسقيك وتذود عنك الأذى وأنت لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً ولا دفعاً. واستحضر تعب والدك وكفاحه المستمر في دروب الحياة، يكد ويشقى ويسهر من أجل كسب الرزق الحلال ليطعمك ويكسوك، ويسعى في تعليمك وتوجيهك وحمايتك، باذلاً شبابه وصحته لتقوى أنت وتكبر وتصير رجلاً سوياً أو امرأة مستقرة. إن مقارنة هذا البذل العظيم الذي لا تحركه سوى عاطفة الرحمة والمحبة الفطرية بما تقدمه أنت اليوم لوالديك في كبرهما يجعلك تشعر بالخجل والتقصير الشديد. فكل ما تبذله اليوم من مال أو وقت هو رد لجميل سابق، بينما كان بذلهما لك ابتداءً وتفضلاً بلا مقابل. فكيف يدخل الغرور قلباً يستحضر هذا الدين العظيم الذي يطوق عنقه ويسأل نفسه: هل كافأت يوماً تلك القطرة من عرق والدي أو تلك الزفرة من أنين أمي؟
الفصل السابع: فتنة الاستقلال والزواج وأثرها في فتور بر الوالدين
ينبه الشيخ في هذا الفصل إلى منعطف خطير وحرج في حياة الإنسان، وهو مرحلة الاستقلال وتأسيس الأسرة بالزواج. ففي هذه مرحلة بالذات، عندما ينتقل الشاب أو الفتاة إلى بيت جديد ويبدأ في بناء حياته الخاصة، ينشط الشيطان وتكثر الصوارف والشواغل التي تضعف حبال الصلة بالوالدين. ويستغل الشيطان انشغال الزوج بمتطلبات زوجته وأولاده وتجارته، وانشغال المرأة ببيتها الجديد، ليزين لهما التخلي التدرجي عن واجبات البر والخدمة، ملقياً في روعهما الوعود الزائفة والتمنيات الغامضة كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء: 120). فيقنع الابن نفسه بأنه معذور بضيق وقته ومسؤولياته الأسرية، وينسى أن بر الوالدين فرض عين مقدم على كثير من النوافل والواجبات الكفائية، بل إنه أعظم حقاً من حق الزوجة والأولاد عند التزاحم. إن الاستقلال السكني والمادي لا يعني أبداً التحلل من المسؤولية تجاه الوالدين، بل هو بداية الامتحان الحقيقي للوفاء ورعاية الفضل. فالبار الصادق هو من يجعل والديه في مقدمة اهتماماته اليومية، ويرتب حياته وأوقاته بناءً على حاجتهما، ولا يسمح لزوجه أو عمله أن يكون حائلاً بينه وبين معانقة درجات البر الرفيعة والخدمة المباشرة لهما.
الفصل الثامن: لؤم النفوس الخفي والتعامل مع الوالدين كالأقارب الأباعد
يتحدث الشيخ بمرارة وصراحة عن رذيلة خلقية مستترة تقع في النفوس دون شعور، ويطلق عليها وصف "اللؤم الخفي". ويتجسد هذا اللؤم في تقصير الأبناء في حق والديهم بعد استغنائهم ونيلهم القوة والصحة والمال، في مقابل ضعف الوالدين وعجزهما بعد تقدم السن بهما وانحناء ظهورهما وتكالب الأوجاع والأمراض عليهما. ويظهر هذا الخلق الذميم عندما يبدأ الابن في معاملة والديه وكأنهما من عامة الأقارب أو الأصدقاء الأباعد؛ فلا يزورهما إلا في المناسبات والأعياد، ولا يتصل بهما إلا عند الحاجة، ويمر عليه الأسبوع والأسبوعان وربما الشهر والشهرين وهو يسكن في نفس الحي أو المدينة دون أن يطأ عتبة بيتهما القديم أو يعلم شيئاً عن طعامهما وشرابهما ومرضهما. إن هذا الجفاء المناقض تماماً لخلق الوفاء الإنساني والشرعي ينم عن نفس دنيئة تغذت على خير والديهما في الصغر ثم تنكرت لهما في الكبر عندما صارا لا يملكان نفعاً ولا عطاءً مادياً. إن الواجب على المؤمن أن يترفع عن هذا المسلك المشين، وأن يدرك أن الوالدين ليسا مجرد أقارب تجب صلتهم بالحد الأدنى، بل هما أصل وجوده وباب جنته أو ناره، والتعامل الجاف معهما هو عقوق مبطن يستوجب التوبة السريعة والاستغفار.
الفصل التاسع: حقيقة الصمت الجميل وصبر الوالدين على التقصير
يكشف هذا الفصل عن سر عظيم من أسرار البيوت، وهو صمت الوالدين وصبرهما الجميل على جفاء الأبناء وتقصيرهم. فمن عظيم رحمة الآباء والأمهات وحنانهم الفياض أنهم لا يكثرون الشكوى ولا يظهرون العجز والجزع لأبنائهم؛ خشية أن يثقلوا عليهم أو يسببوا لهم الضيق والإزعاج في حياتهم المستقلة. فتجد الأم مريضة تعاني آلام المفاصل أو ضغط الدم في بيتها وحيدة، والوالد يكابد العجز والوحدة، وإذا اتصل بهما الابن قالا بلسان صابر: "الحمد لله نحن في عافية ونعمة"، ولا يخبرانه بحقيقة حاجتهما ومرضهما. وللأسف، يتخذ الأبناء الغافلون هذا الصمت مبرراً للتمادي في إهمالهم وتقصيرهم، زاعمين أن الوالدين لا يحتاجان شيئاً وأنهما في أفضل حال. إن البر الحقيقي والوفاء الصادق يقتضي من الابن ألا يقف عند حد السؤال الظاهري، بل يجب عليه أن يفتش ويبحث ويسأل بدقة عن تفاصيل حياة والديه، ويذهب بنفسه ليتفقد ثلاجتهما ونظافة بيتهما وأدويتهما. فالتظاهر بالعافية هو جلباب يرتديه الوالدان حياءً ومحبة، والواجب على الابن البار أن يخرق هذا الجلباب بلطف وإلحاح ليقوم بخدمتهما ورعايتهما قبل أن تباغتهما المنية وهما يعانيان في صمت.
الفصل العاشر: فضل الخدمة البدنية وتدليك الأقدام ولطائف السلف في ذلك
يركز الشيخ في هذا الفصل على شعيرة عظيمة من شعائر البر كادت تختفي في عصرنا المادي، وهي الخدمة البدنية المباشرة للوالدين، والتذلل لهما بخفض جناح الذل من الرحمة كما قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24). ويضرب الشيخ أمثلة عملية تقرب الفكرة للقلوب، مثل تدليك أقدام الوالدين (غمز القدم) وخدمتهما في حاجاتهما البدنية الخاصة، لاسيما عند كبرهما وضعف قواهما الجسدية؛ حيث يجد الكبار في هذا الفعل راحة جسدية عظيمة ومؤانسة روحية لا تدانيها هدية مالية. وينقل الشيخ في هذا المقام قصة عظيمة تدل على فقه السلف الصالح لترتيب الأعمال الصالحة، وهي قصة التابعي الجليل محمد بن المنكدر رحمه الله حين قال: "بات أخي عمر يصلي وبت أغمز قدم أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته". شتان بين من يقضي ليله في الصلاة والقيام -وهي عبادة عظيمة بلا ريب- وبين من يقضي ليله متذللاً تحت أقدام أمه يغمزها ويخدمها؛ فقد رأى ابن المنكدر بفقهه الثاقب أن خدمة الأم وتدليك قدميها أفضل وأحب إلى الله من قيام الليل نافلة. إن هذا النموذج السلفي الفريد يوقظ في نفوسنا أهمية القرب الجسدي والخدمة الذاتية التي تعبر عن كمال المحبة وصدق العبودية لله رب العالمين.
الفصل الحادي عشر: فجيعة الفقد وحسرة الموت وزوال فرص البر
يختم الشيخ فصول هذا الكتاب بقرع قلوب الأبناء بذكر حقيقة الموت وهادم اللذات الذي يقطع الآمال ويزيل الفرص. فالوالدان في هذه الدنيا كشمعتين تنطفئان ببطء أمام أعيننا، أو كوردتين تذبلان يوماً بعد يوم، ولن يستمر وجودهما إلى الأبد. ويصور الشيخ مشهداً مبكياً مؤثراً للإنسان الغافل بعد رحيل والديه؛ حين يدخل البيت القديم فيجده مظلماً خالياً من أنفاسهما، فلا يجد إلا الجدران الصامتة لتحدثه عن غيابهما، ويقف باكياً يعانق ملابس أبيه ويستنشق خمار أمه كالمجنون الذي أفاق على حقيقة الفقد المفجع. ويذكر الشيخ أن الشيطان الذي كان يزين للعبد التأجيل والتقصير في حياة والديه، ويلقي له الأعذار، يتخلى عنه تماماً بمجرد موتهما؛ ليتركه فريسة لندم قاتل وتأنيب ضمير مستمر يمزق قلبه كلما تذكر محطات تقصيره وجفائه. فحينها لا ينفع البكاء ولا تجدي الدموع، وتنكشف الحقيقة المرة بأنه لم يكن باراً بل كان مغروراً غافلاً. لذلك، فإن تذكر الموت والفقد هو الوقود الذي يدفع العبد للاستثمار الفوري في صحة والديه وبذل كل طاقته لخدمتهما وإسعادهما بالهدايا والزيارات والدعاء قبل أن يحل الأجل المحتوم ويسكنا القبور، وحينها يعض المفرط أصابع الندم ولات ساعة مندم.
تنبيهات منهجية وقواعد سلفية
الضابط الأول: تلازم شكر الله تعالى وشكر الوالدين في القبول
دل قوله تعالى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (لقمان: 14) على تلازم وثيق بين شكر الخالق وشكر الوالدين؛ فلا يقبل الله من عبد شكراً له إذا كان مقصراً في شكر والديه، كما أثر ذلك عن حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا يوجب على المسلم استشعار عظم المسؤولية وألا يغتر بكثرة صلاته أو عبادته مع تقصيره في حق والديه.
الضابط الثاني: وجوب تفقد أحوال الوالدين ومبادرة الخدمة دون انتظار الطلب
البر الحقيقي لا يقوم على الاستجابة لطلب الوالدين فحسب، بل على المبادرة وتفقد أحوالهما سراً وجهراً. فالوالدان بدافع حنانهما وعفتهما قد يصمتان عن إظهار الحاجة أو المرض، والواجب الشرعي يقتضي من الابن أن يفتش في بيتهما القديم ويسعى في خدمتهما دون أن يُلجئهما إلى الطلب أو الشكوى.
الضابط الثالث: تقديم حق الوالدين على شواغل الاستقلال الأسري والمهني
إن مرحلة الزواج والاستقلال السكني أو الوظيفي هي موطن اختبار عظيم للعبد؛ حيث يجب شرعاً تقديم حقوق الوالدين وخدمتهما على نوافل العبادات وعلى متطلبات الترف الأسري والمهني، ولا يجوز اتخاذ المشاغل الزوجية أو العمل أعذاراً تبرر فتور الصلة أو تقليل الزيارات البدنية.
الضابط الرابع: البركة عوض إلهي مضمون لمن بذل وقته وماله لوالديه
كل ما يبذله العبد من وقته وجسده وماله وراحته في سبيل إدخال السرور على والديه ليس هدراً ولا تضييعاً لمصالحه الدنيوية، بل هو باب البركة الأعظم؛ إذ يعوضه الله تعالى خيراً مما بذل في أهله وماله ونفسه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً" ولأن الجزاء من جنس العمل ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
القصص واللطائف التربوية
أثر السلف في تفضيل الخدمة البدنية على نوافل العبادات
يُروى عن التابعي الجليل محمد بن المنكدر رحمه الله قوله: "بات أخي عمر يصلي وبت أغمز قدم أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته". وفي هذا دلالة واضحة على فقه السلف الصالح رضي الله عنهم وتفضيلهم للخدمة البدنية المباشرة وتذللهم لوالديهم على النوافل من الصلوات؛ لما في ذلك من انكسار النفس وتحقيق طاعة عينية عظيمة.
عاقبة الغفلة وصدمة الفراغ بعد رحيل الوالدين
من القصص الواقعية والمحزنة التي يقع فيها المفرطون، أن يعيش الابن في غفلته منشغلاً بدنياه وزوجته وتجارته، مسوفاً لزيارة والديه، حتى يأتيه نعي أحدهما بغتة. فيدخل بيت العائلة القديم فلا يجد إلا جدرانه الصامتة تحدثه بفجيعة الفقد، ويقف باكياً يتحسس قميص أبيه أو خمار أمه كالمجنون تندماً على فرص ضاعت ولن تعود، فيترك الشيطان وساوس الأعذار ليتخلى عنه ويتركه سجيناً لتأنيب الضمير.
تضحية الأمهات بالغالي والنفيس ونكران الأبناء في الكبر
تعبت أمهاتنا في تربيتنا وبذلن كل ما يملكن، حتى إن الكثير منهن بعن حليهن ومصاغهن النفيس لأجل تعليم أبنائهن أو إتمام زواجهن وسترهم أمام الناس. ولكن بمجرد أن يستقر الابن في بيته ويتزوج، ينسى ذلك الفضل العظيم ويترك أمه العجوز تواجه مشاق الحياة وأعمال البيت وحدها وهي لا تكاد تقوى على القيام، مما يناقض خلق الوفاء والمروءة.
وصية ختامية
وفي الختام، نسأل الله جل وعلا أن يوقظ قلوبنا من رقدة الغفلة، وأن يعيذنا من داء الغرور بالعمل. أخي الحبيب، أختي الكريمة، إن الوالدين بابان من أبواب الجنة مفتوحان أمامكم الآن، فاستثمروا في وجودهما، وأسرعوا في إرضائهما بالقول والفعل والخدمة البدنية وتدليك الأقدام وإدخال السرور بتقديم الهدايا والأطعمة التي يحبونها، ولا تسوفوا أو تعتذروا بكثرة الأشغال وتزيين الشيطان. اعلموا أن الموت يتربص بنا وبهم، فاجتهدوا قبل أن يسكنا القبور وتصبح البيوت فارغة لا نملك فيها إلا البكاء على الأطلال. ألا وصلوا وسلموا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
