00:11 عَلَى الدِّينِ فَلْيَبْكِ ذُو الْعِلْمِ وَالْهُدَى فَقَدْ طُمِسَتْ أَعْلَامُهُ فِي
00:19 الْعَوَالِمِ. وَقَدْ صَارَ إِقْبَالُ الْوَرَى وَاحْتِيَالُهُمْ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَجَمْعِ
00:27 الدَّرَاهِمِ، وَإِصْلَاحِ دُنْيَا بِإِفْسَادِ
00:31 دِينِهِمْ وَتَحْصِيلِ مَلْذُوذَاتِهِمْ وَالْمَطَاعِمِ. السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. حَيَّاكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا
00:40 الْمُتَابِعُونَ الْكِرَامُ. حَدِيثِي مَعَكُمْ حَوْلَ قَضِيَّةِ الْأُخْتِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لِلظُّلْمِ الْوَاضِحِ
00:46 الصَّرِيحِ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ النَّاسِ -هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأَصْلَحَهُمْ- حَيْثُ اتَّهَمُوا هَذِهِ الْأُخْتَ بِالسِّحْرِ،
00:53 وَقَامُوا بِتَصْوِيرِهَا وَشَهَّرُوا بِهَا وَاعْتَدَوْا عَلَيْهَا، لَا سِيَّمَا بِخَلْعِ سِتَارِهَا. لَوْ كَانَتْ تَعَرَّضَتْ لِلضَّرْبِ
01:02 الْمُبَرِّحِ لَكَانَ، لَكَانَ هَذَا أَهْوَنَ عِنْدَهَا وَأَسْهَلَ مِنْ خَلْعِ سِتَارِهَا وَفَضْحِهَا بِالتَّصْوِيرِ. وَفِي هَذَا رَدٌّ
01:10 عَلَى الْأَخِ الَّذِي خَرَجَ مُعْتَذِرًا وَقَالَ: "أَنَا مَا ضَرَبْتُهَا، لَكِنْ صَوَّرْتُ فَقَطْ." يَا أَخِي، التَّشْهِيرُ عِنْدَ
01:17 الشُّرَفَاءِ هُوَ أَعْظَمُ وَأَشَدُّ مِنَ الْأَذَى الْجَسَدِيِّ. وَهُوَ نِدَاءٌ كَذَلِكَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي عَرَفْتُهُ بِمَقَاطِعِهِ،
01:26 عَرَفْتُهُ فَاعِلًا لِلْخَيْرِ، وَمَا كُنْتُ أَعْلَمُ اسْمَهُ إِلَّا بَعْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَالَّذِي يُسَمُّونَهُ "شيكُور الطَّرِيق".
01:34 أَقُولُ لَكَ: سَامَحَكَ اللَّهُ، مَا هَكَذَا يَفْعَلُ الرِّجَالُ! أَنْتَ تُعَدُّ مِنَ الْمُؤَثِّرِينَ وَحِسَابُكَ كَبِيرٌ،
01:42 وَلَكَ شُهْرَةٌ. الْمَفْرُوضُ أَنَّ كَثْرَةَ مُتَابِعِيكَ وَشُهْرَتَكَ تَسْتَعْمِلُهَا فِي نُصْرَةِ الْمَظْلُومَةِ، لَيْسَ الْعَكْسَ.
01:48 يَكْفِي أَنَّهُ هُوَ خَرَجَ مُعْتَذِرًا، وَخَلِّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّعْبِ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُخْتِ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
01:54 الدَّوْلَةِ. أَمَّا أَنْتَ، فَالْمَفْرُوضُ أَلَّا تَخْرُجَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْمُهِينَةِ، تَخْرُجُ تَعْتَذِرُ لَهُ وَتُبَرِّرُ. وَقَدْ
02:00 حُدِّثْتُ أَنَّهُ فِيهِ مَقْطَعٌ آخَرُ هُوَ أَسْوَأُ مِنْ هَذَا الْمَقْطَعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَيْسَ مِنْ عَادَتِي رُؤْيَةُ هَذِهِ
02:06 الْمَقَاطِعِ. وَقَدْ يَسْتَغْرِبُ السَّامِعُ إِذَا قُلْتُ لَهُ بِأَنَّ الْمَقْطَعَ الَّذِي فِيهِ الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْأُخْتِ لَمْ
02:12 أُشَاهِدْهُ وَاللَّهِ، وَقَلْبِي لَا يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ نِهَائِيًّا. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. الْمَفْرُوضُ أَنْ تَضَعَ هَذِهِ الْأُخْتَ فِي
02:21 مَكَانِ أُمِّكَ وَزَوْجَتِكَ وَأُخْتِكَ. لَوْ كَانَ هَذَا نَفْسُهُ، هَذَا الظَّالِمُ وَابْنُ حَيِّكَ، لَوْ كَانَ نَفْسُهُ فَعَلَ
02:28 مَا فَعَلَ مَعَ أُخْتِكَ أَنْتَ أَوْ زَوْجَتِكَ أَوْ أُمِّكَ، أَكُنْتَ سَتُسَهِّلُ الْأَمْرَ وَتُبَرِّدُ الْقَضِيَّةَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ؟
02:35 أَعْتَقِدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَعْتَذِرَ اعْتِذَارًا مُسْتَقِلًّا أَنْتَ بِنَفْسِكَ، لِأَنَّكَ سَهَّلْتَ فِي الْقَضِيَّةِ. وَأَنَا
02:43 أَدْعُوكَ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الصَّوْتِيَّةِ أَنْ تُكَفِّرَ عَنْ جُرْمِكَ هَذَا وَتَقِفَ مَعَ الْأُخْتِ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّهَا
02:49 غَرِيبَةٌ وَهِيَ مَعَكُمْ فِي بَلْدَتِكُمْ، وَهِيَ "وَلِيَّةٌ" كَمَا يُقَالُ. الرِّجَالُ لَا يَفْعَلُونَ هَذَا مَعَ النِّسَاءِ.
02:56 الْعَرَبُ قَدِيمًا كَانُوا يَغَارُونَ عَلَى النِّسَاءِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ
03:00 الْإِسْلَامُ. فَكَيْفَ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ الْآنَ؟ عَنْتَرَةُ كَانَ يَقُولُ: "وَأَغُضُّ طَرْفِي إِنْ بَدَتْ لِي جَارَتِي حَتَّى يُوَارِيَ
03:09 جَارَتِي مَأْوَاهَا". غَضُّ الْبَصَرِ عَنِ النِّسَاءِ وَالْغَيْرَةُ عَلَيْهِنَّ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ أَخْلَاقِ الْعَرَبِ. لِذَلِكَ قِيلَ:
03:16 الرَّجُلُ الَّذِي يَغَارُ عَلَى كُلِّ أُنْثَى، لَيْسَ فَقَطْ حَتَّى تَكُونَ زَوْجَتَكَ أَوْ أُخْتَكَ. إِذَا كَانَتْ زَوْجَتَكَ
03:21 أَوْ أُخْتَكَ أَوْ قَرِيبَةً لَكَ، فَهَذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى. لَكِنِ اسْأَلْنِي أُجِبْكَ: مَنِ الَّذِي يَعْرِفُ
03:26 الْغَيْرَةَ؟ يَعْرِفُهَا الرَّجُلُ الَّذِي وُلِدَ بِهَا وَوُلِدَتْ مَعَهُ، لِأَنَّ الْغَيْرَةَ هَذِهِ يَرْضَعُهَا الرَّجُلُ مَعَ لَبَنِ
03:34 الْأُمِّ. رِجَالٌ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى امْرَأَةٍ "وَلِيَّةٍ" لَا حِيلَةَ لَهَا وَلَا قُوَّةَ! اجْتَمَعْتُمْ عَلَيْهَا وَتَكَالَبْتُمْ
03:40 عَلَيْهَا وَتُصَوِّرُونَ فِيهَا وَتَقُولُونَ الْكَلَامَ السَّيِّءَ وَتَعْتَدُونَ عَلَيْهَا! هَذِهِ هِيَ الرُّجُولَةُ؟ فِي وَقْتِ الْعَرَبِ
03:46 كَانَتْ حَرْبُ الْفِجَارِ، اذْهَبُوا اقْرَأُوا عَنْ حَرْبِ الْفِجَارِ، وَكَانَتْ أَرْبَعَةَ حُرُوبٍ، وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ
03:52 الْحُرُوبِ قَامَتْ مِنْ أَجْلِ امْرَأَةٍ، غَيْرَةً عَلَيْهَا. أَلَا تَسْتَحُونَ؟
03:57 وَأَنَا لَا أَقُولُ هَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُتَجَلْبِبَةٌ فَقَطْ، بَلْ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ بَرِيئَةٌ. حَتَّى لَوْ كَانَتْ مِنْ أَفْسَقِ
04:03 الْفَاسِقَاتِ! بَلْ حَتَّى لَوْ كَانَتْ فَاسِقَةً! بَلْ حَتَّى لَوْ كَانَتْ كَافِرَةً! لَا يَجُوزُ فِي شَرِيعَةِ الرَّحْمَنِ أَنْ
04:10 يُظْلَمَ الْكَافِرُ. الظُّلْمُ أَمْرٌ عَظِيمٌ. أَنَا وَاللَّهِ نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا الشَّيْءِ قَبْلَ أَنْ أَقِفَ عَلَى هَذِهِ
04:15 الْحَادِثَةِ، وَهِيَ قَضِيَّةُ التَّصْوِيرِ وَالْمُسَارَعَةِ لِفَضْحِ النَّاسِ. فِي أَحْسَنِ أَحْوَالِكَ، أَنَّكَ إِذَا صَوَّرْتَ تُقَدِّمُ
04:23 الْمَقْطَعَ لِلْجِهَاتِ الْأَمْنِيَّةِ، وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَنْشُرَهُ. أَمَا اعْتَبَرْنَا مِنْ حَادِثَةِ جَمَالِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ
04:29 -رَحِمَهُ اللَّهُ-؟ مَا زِلْتُمْ تَتَهَوَّرُونَ! أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى الْمَرْأَةِ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ تُصَوِّرُوا، فَقَدْ كَثَّرْتُمْ
04:36 سَوَادَ الظَّالِمِينَ. أَنْتَ لَازِمٌ أَنْ تَعْتَذِرَ وَتَتَحَلَّلَ. يَا نَاسُ انْتَبِهُوا! لَيْسَ أَيْنَمَا تَرَى الْجَمْعَ تَذْهَبُ
04:43 تَجْرِي! "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ". أَنْتَ بَعِيدٌ، لَا تَدْرِي أُولَئِكَ الْجَمْعُ لِمَاذَا هُمْ
04:49 مُجْتَمِعُونَ. فَإِذَا رُحْتَ، رُبَّمَا سَتَجِدُ مُنْكَرًا وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تُغَيِّرَهُ، رُبَّمَا سَتَجِدُ مَظْلُومًا وَلَا
04:54 تَقْدِرُ أَنْ تَنْتَصِرَ لَهُ. لِمَاذَا تَمْشِي إِلَى ذَلِكَ الْجَمْعِ أَوْ تِلْكَ الْحَادِثَةِ؟ اذْهَبِ ابْتَعِدْ عَنْ بُؤَرِ الشُّبَهِ. مَا
05:00 لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ، لَا تَذْهَبْ إِلَيْهِ. كَمْ مِنْ حَادِثَةٍ وَقَعَتْ وَكَانَ الْجَمْعُ، فَلَمَّا ذَهَبْتَ تَجْرِي وَجَدْتَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَتْ فِيهَا
05:05 جَرِيمَةُ قَتْلٍ، وَأَنْتَ مَسْؤُولٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّكَ رَأَيْتَ مُنْكَرًا فَلَمْ تُغَيِّرْهُ! فَهَذِهِ نَصِيحَةٌ لِكُلِّ
05:12 الْحَاضِرِينَ. وَاللَّهِ إِنَّكُمْ شَارِكُونَ فِي هَذِهِ الْجَرِيمَةِ، وَهَذِهِ جَرِيمَةٌ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلَّا
05:19 الرِّجَالُ! بِرَبِّكُمْ، الْمَرْأَةُ بِجِلْبَابِهَا وَسِتَارِهَا تُتَّهَمُ بِالسِّحْرِ وَيُنْزَعُ سِتَارُهَا! هَمُّهَا الْوَحِيدُ
05:27 فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَنْ تَسْتُرَ نَفْسَهَا! أَنْتَ مَا جِئْتَ، كَشَفْتَ لَهَا عَنْ سِتَارِهَا أَمَامَ النَّاسِ،
05:32 أَوْ أَمَامَ عَشَرَةٍ أَوْ عِشْرِينَ مِنَ النَّاسِ! اتَّقُوا اللَّهَ! افْهَمُوا مَعْنَى مَا فَعَلْتُمْ! نَزَعْتُمْ لَهَا سِتَارَهَا
05:40 وَفَضَحْتُمُوهَا وَاتَّهَمْتُمُوهَا بِالسِّحْرِ! مِنْ أَعْظَمِ الْجَرَائِمِ جَرِيمَةُ السِّحْرِ! وَفَضَحْتُمُوهَا فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ،
05:47 شَاهَدَهَا الْمَلَايِينُ! لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَرَهَا وَدَافَعَ عَنْهَا -نَحْسَبُهَا كَذَلِكَ وَاللَّهُ حَسِيبُهَا-. اسْتَفَزَّ
05:55 نِي كَثِيرًا ذَاكَ الْمَقْطَعُ الَّذِي فِيهِ الِاعْتِذَارُ الْبَارِدُ: "أَنَا مَا ضَرَبْتُهَا، صَوَّرْتُهَا فَقَطْ!" التَّشْهِيرُ
06:02 أَشَدُّ مِنَ الضَّرْبِ! أَلَا تَفْهَمُونَ مَاذَا تَعْنِي الْغَيْرَةُ؟ اسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ يَرْزُقَكُمُ هَذِهِ الْغَيْرَةَ
06:08 إِنْ لَمْ تَكُنْ فِيكُمْ! أَيُّ وَاحِدٍ شَاهَدَ الْمَقْطَعَ أَوْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ -وَأَنَا قُلْتُ، أَنَا أَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِي، وَاللَّهِ
06:14 مَا شَاهَدْتُ الْمَقْطَعَ- بِرَبِّكُمْ، مُجَرَّدُ أَخْبَارٍ وَصُوَرٍ أَنْهَكَتْ نَفْسِي! فَمَا بَالُكَ إِذَا شَاهَدْتَ الْمَقْطَعَ؟ وَمَا
06:21 بَالُكَ لَوْ كُنْتَ هُنَاكَ؟ بَدَأْتُمْ تَتَخَلَّوْنَ عَنْ رُجُولَتِكُمْ إِلَى هَذَا الْحَدِّ! أَحْكِي لَكُمْ شَيْئًا
06:26 مِنْ رُجُولَةِ أَسْلَافِكُمْ، أَحْكِي لَكُمْ عَنْ أَجْدَادِكُمْ إِلَى وَقْتٍ قَرِيبٍ، فِي وَقْتِ الِاسْتِعْمَارِ الْفَرَنْسِيِّ
06:31 فَقَطْ. أَحْمَد تَوْفِيق الْمَدَنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- كَانَ مِنْ سَادَاتِ الْجَزَائِرِ وَمِنْ عُظَمَائِهَا، وُلِدَ فِي تُونِسَ،
06:38 وَأَحَدُ مُؤَسِّسِي جَمْعِيَّةِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. فِي مُذَكِّرَاتِهِ يَحْكِي حِكَايَةً وَيَقُصُّ قِصَّةً عَنْ أَبِيهِ
06:45 الْجَزَائِرِيِّ الْفَحْلِ، كَانَ عَائِشًا فِي تُونِسَ. اسْمَعْ جَيِّدًا مَاذَا يَحْكِي، يَقُولُ: كَانَ وَالِدِي -رَحِمَهُ اللَّهُ-
06:50 يَجْلِسُ يَوْمًا بِدُكَّانِهِ -يَعْنِي فِي تُونِسَ- إِذْ جَاءَهُ أَحَدُ زَبَانِيَةِ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ -وَهَذَا ابْنُ إِسْمَاعِيلَ
06:56 كَانَ مِنَ الْقَادَةِ وَمِنَ الْأُمَرَاءِ- يَقُولُ: "بُشْرَاكَ يَا سَيِّ مُحَمَّد، إِنَّ وَلَدَ سَيِّدِنَا يُرِيدُ مُصَاهَرَتَكَ -يَعْنِي
07:04 يُرِيدُ أَنْ يُنَاسِبَكَ وَلَدُ السَّيِّدِ، وَلَدُ الْأَمِيرِ الْأَكْبَرِ فِي الْبِلَادِ- وَالزَّوَاجَ مِنْ أُخْتِكَ الَّتِي سَمِعَ عَنْهَا
07:11 وَعَنْ صِفَاتِهَا الشَّيْءَ الْكَثِيرَ." -يَعْنِي عَمَّةَ أَحْمَد تَوْفِيق الْمَدَنِيِّ، كَانَ فِي عُمْرِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَكَانَ
07:17 يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْجَمَالِ-. وَيَقُولُ: "إِنَّ الْعَقْدَ سَيَكُونُ بِحَوْلِ اللَّهِ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ." -يَعْنِي أَنَا
07:23 بِكَوْنِي أَمِيرًا وَكَذَا، خَلَاصْ، الْخَمِيسَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَأْتِي لِنُقِيمَ الْعُرْسَ، لَا يُهِمُّ أَنْ تَقْبَلَ وَأَلَّا
07:27 تَقْبَلَ-. فَثَارَتْ ثَائِرَةُ الْغَضَبِ الْجَزَائِرِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي رَأْسِ أَبِي. أَتَخَيَّلُهُ فِي غُرْبَةٍ، فِي
07:34 بِلَادٍ لَيْسَتْ بِلَادَهُ، يَأْتِيهِ الْأَمِيرُ لِيَخْطُبَ ابْنَتَهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ! انْظُرُوا كَيْفَ أَجَابَهُ، وَقَالَ لَهُ:
07:40 "إِنَّنِي لَا أَتَشَرَّفُ بِمُصَاهَرَتِهِ أَوْ مُكَالَمَتِهِ أَوْ مُجَرَّدِ مُقَابَلَتِهِ. وَإِنِّي إِنْ زَوَّجْتُ أُخْتِي فَسَأَخْتَارُ
07:50 لَهَا رَجُلًا كَرِيمًا عَامِلًا مِنَ الرِّجَالِ الْفُحُولِ، وَهَيْهَاتَ أَنْ أُزَوِّجَهَا لَهُ!" فَرَجَعَ الصُّعْلُوكُ إِلَى
07:57 سَيِّدِهِ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ لِأَبِي وَقَالَ: "يَقُولُ لَكَ سَيِّدِي إِنَّهُ لَا مُوجِبَ لِلْكَلَامِ الزَّائِدِ،
08:05 وَإِنَّهُ أَمَامَ تَعَنُّتِكَ سَآخُذُهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، وَإِنَّ الْعَقْدَ سَيَقَعُ يَوْمَ الْخَمِيسِ شِئْتَ أَمْ أَبَيْتَ." يَقُولُ
08:13 أَحْمَد تَوْفِيق الْمَدَنِيُّ: قَالَ الْوَالِدُ -وَهُوَ فِي أَشَدِّ حَالَاتِ الْغَضَبِ-: "إِذًا لِيَتَقَدَّمْ وَيَأْخُذْهَا قَهْرًا إِنِ
08:20 اسْتَطَاعَ! وَلَا أَكُونُ يَوْمَئِذٍ حَيًّا، وَلَا تَكُونُ هِيَ يَوْمَئِذٍ حَيَّةً!" اسْمَعْ وَافْتَحْ أُذُنَيْكَ جَيِّدًا. أَمَّا
08:27 الْوَالِدُ فَإِنَّهُ أَوْصَدَ بَابَ الدُّكَّانِ وَرَجَعَ فَوْرًا إِلَى مَأْوَاهُ بِشَارِعِ الْحَجَّامِينَ، وَاسْتَعَارَ بُنْدُقِيَّةً
08:35 مُجَهَّزَةً، وَرَابَطَ ثَلَاثَ أَيَّامٍ فِي نَافِذَةٍ صَغِيرَةٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى بَابِ الْمَنْزِلِ. ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ مُمْسِكٌ
08:42 الْبُنْدُقِيَّةَ وَيَحْرُسُ الْبَيْتَ وَيَنْتَظِرُ قُدُومَ الْأَمِيرِ مَعَ جُنْدِهِ. فَإِذَا مَا جَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ أَوْ غَلَبَهُ
08:49 النُّعَاسُ، حَلَّتِ الْبِنْتُ مَحَلَّ شَقِيقِهَا -يَعْنِي الْبِنْتَ هَذِهِ ذَاتَ الْـ15 سَنَةً، لَمَّا يَتْعَبُ أَخُوهَا يَذْهَبُ لِيَنَامَ وَهِيَ
08:56 الَّتِي تَحْمِلُ الْبُنْدُقِيَّةَ- وَقَدْ عَزَمَ عَلَى بَذْلِ الرُّوحِ فِي سَبِيلِ الشَّرَفِ. وَكَانَ حَيُّ الْحَجَّامِينَ يَوْمَئِذٍ
09:04 مَلِيئًا بِالْجَزَائِرِيِّينَ الْمُجَاهِدِينَ، وَكَانَتْ فِيهِمْ نَخْوَةٌ، وَكَانَتْ فِيهِمْ شَهَامَةٌ. أَيْنَ هِيَ النَّخْوَةُ
09:11 الْيَوْمَ؟ أَيْنَ هِيَ الشَّهَامَةُ؟ صِرْنَا لَا نَرَى هَذِهِ الْأَخْلَاقَ النَّبِيلَةَ! فَتَطَوَّعَ نَفَرٌ مِنْهُمْ لِلدِّفَاعِ عَنِ
09:17 الشَّرَفِ الْمُهَدَّدِ، وَرَابَطُوا بِالتَّنَاوُبِ حَوْلَ بَابِ الْمَنْزِلِ،
09:22 مُسْتَعِدِّينَ لِلْمَوْتِ إِذَا مَا لَزِمَ الْأَمْرُ. وَهَاجَ الْحَيُّ وَمَاجَ، وَنَمَا ذَلِكَ إِلَى مَسَامِعِ الْبَاي. تَقَدَّمَ
09:30 لِوَالِدِي -رَحِمَهُ اللَّهُ- بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنْ رِبَاطِهِ -انْظُرْ وَاسْمَعْ جَيِّدًا- شَابٌّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْجَزَائِرِيِّينَ
09:38 وَسْطَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْقَوْمِ، وَطَلَبُوا يَدَ الْأُخْتِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ يَوْمَ الْخَمِيسِ -وَفِي ذَلِكَ مِنَ
09:45 التَّحَدِّي مَا فِيهِ-. فَقَبِلَ الْوَالِدُ الطَّلَبَ فَرِحًا، وَتَمَّ الْعَقْدُ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ، الْمَوْعِدِ الَّذِي ضَرَبَهُ
09:52 الْأَمِيرُ لِوَالِدِ أَحْمَد تَوْفِيق الْمَدَنِيِّ، قَالَ لَهُ: "آتِي يَوْمَ الْخَمِيسِ لِأَعْقِدَ الْعَقْدَ." هَكَذَا تَحَدَّاهُ الرِّجَالُ،
09:58 وَهَكَذَا تَحَدَّاهُ فُحُولُ الْجَزَائِرِيِّينَ. وَتَمَّ الْعَقْدُ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ فِي مَوْكِبٍ حَافِلٍ، وَأَخَذَ الشَّابُّ
10:05 زَوْجَتَهُ، وَبَاءَ الْأَمِيرُ بِالْفَشَلِ وَالْخِذْلَانِ. فَهَذَا جُزْءٌ يَسِيرٌ مِنْ قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ رَسَمَهَا أَهْلُ الْجَزَائِرِ
10:14 فِي دَفَاتِرِ الْغَيْرَةِ عَلَى حَرَائِرِ الْجَزَائِرِ. احْذَرُوا الظُّلْمَ! "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ صَلَّى اللَّهُ
10:20 عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟" الْوَلِيَّةُ تِلْكَ الضَّعِيفَةُ
10:27 الَّتِي كَانَتْ فِي... الَّتِي كَانَتْ فِي الرُّكْنِ، الَّتِي كَانَتْ فِي "الْكُوِينَةِ" تِلْكَ، وَمَا وَجَدَتْ مَنْ
10:32 يَقِفُ مَعَهَا، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا مَنْ يَحْسَبُونَ أَنْفُسَهُمْ رِجَالًا! "يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ"! كَيْفَ
10:38 لَا يُؤْخَذُ لِهَذِهِ الضَّعِيفَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَشِدَّاءِ الَّذِينَ وَقَفُوا وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهَا؟ وَاللَّهِ سَتُسْأَلُونَ
10:44 يَوْمَ الْقِيَامَةِ! الْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ قَضِيَّةَ أَنَّكَ تَخَافُ مِنَ الدَّوْلَةِ وَتُعِدُّ مَقْطَعًا، الْقَضِيَّةُ أَنْ تُبَرِّئَ ذِمَّتَكَ
10:49 يَوْمَ الْقِيَامَةِ. نَحْنُ لَسْنَا مُعْتَادِينَ بِهَذِهِ الْمَشَاهِدِ. لَا تَدَعُوا مِثْلَ هَذِهِ الْقَضَايَا تَمُرُّ
10:54 مُرُورَ الْكِرَامِ. وَآخِرُ كَلِمَةٍ نُوَجِّهُهَا لِوَسَائِلِ الْإِعْلَامِ وَلِلْقَنَوَاتِ: آهٍ! لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ
11:01 مُغَنِّيَةً أَوْ فَنَّانَةً أَوْ مُؤَثِّرَةً! آهٍ! لَوْ ثَبَتَتِ التُّهْمَةُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، لَكُنَّا رَأَيْنَا
11:08 الْآنَ عَنَاوِينَ الْجَرَائِدِ وَالشَّاشَاتِ: "الْقَبْضُ عَلَى مُتَجَلْبِبَةٍ سَلَفِيَّةٍ تَقُومُ بِأَعْمَالِ السِّحْرِ"! لَكِنْ لَمَّا
11:15 ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهَا الْآنَ، مَا رَأَيْنَاكُمْ تَكَلَّمْتُمْ عَلَيْهَا وَلَا أُثِيرَتْ قَضِيَّتُهَا!
11:20 وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فِيكُمْ وَفِي كُلِّ مَنْ ظَلَمَ هَذِهِ الْأُخْتَ أَوْ سَكَتَ عَنِ الظُّلْمِ وَلَمْ يَنْتَصِرْ
11:26 لَهَا. وَآخِرُ نِدَاءٍ لِأَهْلِ الْجَزَائِرِ وَلِأَهْلِ "الْعُلْمَةِ": لَيْسَ أَنْتَ الَّذِي تَذْهَبُ لِتَزُورَهَا، وَإِنَّمَا خُذْ
11:31 زَوْجَتَكَ وَأُخْتَكَ وَأُمَّكَ، دَعْهُنَّ يَزُرْنَهَا وَيَرَيْنَ أَحْوَالَهَا. إِذَا احْتَاجَتْ شَيْئًا، فَكُونُوا لَهَا كَالْأَخِ
11:38 وَالْأَبِ وَالْأُمِّ. لَا تَتَأَخَّرُوا عَنْ تَلْبِيَةِ حَاجِيَّاتِهَا. وَأَقُولُ
11:43 لِلْأُخْتِ: إِنَّ مَا أَصَابَكِ هُوَ ابْتِلَاءٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي رِفْعَةِ دَرَجَتِكِ يَوْمَ
11:51 الْقِيَامَةِ. اصْبِرِي وَاحْتَسِبِي. أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَكِ الصَّبْرَ وَالرِّضَا. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ
11:57 اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَلَا آمِرٌ بِالْعُرْفِ يُعْرَفُ بَيْنَنَا وَلَا زَاجِرٌ عَنْ مُعْضِلَاتِ
12:05 الْجَرَائِمِ. وَمِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ غُودر نَهْجُهَا عَفَاءً، فَأَضْحَتْ طَامِسَاتِ الْمَعَالِمِ.