الرئيسة المرئيات مناقشة برلماني جزائري حول المرجعية الدينية / لأبي معاذ محمد مرابط
مشاركة المادة:
الشيخ أبو معاذ محمد مرابط تاريخ النشر: 8 مارس 2025
إصدار علمي مستفيض

مناقشة برلماني جزائري حول المرجعية الدينية

بيان المفهوم الصحيح للمرجعية الوطنية والرد على دعاوى الفوضى المزعومة

فضيلة الشيخ: أبو معاذ محمد مرابط حفظه الله 8 رمضان 1446 هـ الموافق لـ 8 مارس 2025 م إدارة قناة الشيخ أبي معاذ محمد مرابط

مقدمة الكتاب

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 70-71). أما بعد؛ فإن قضية "المرجعية الدينية والوطنية" قد أصبحت في الآونة الأخيرة مادة دسمة للمزايدات الإعلامية والبرلمانية، وتلقفها فئام من الناس ليتخذوها مطية للنيل من السنن النبوية الثابتة وتصفية خصوماتهم المنهجية مع دعاة السنة النبوية المطهرة. وإن من الواجب على أهل العلم والدعاة توضيح الحقائق الشرعية ودحض الشبهات التي يثيرها بعض من قصر حظه من العلم والفقه، لئلا يلتبس الأمر على عامة المسلمين. وفي هذه الرسالة القيمة، يقف فضيلة الشيخ أبو معاذ محمد مرابط حفظه الله وقفة علمية هادئة لمناقشة ما طرحه أحد النواب البرلمانيين بخصوص ما زعمه من "فوضى دينية" في مساجد الجزائر، مبيناً الفارق الشاسع بين الاختلاف الفقهي السائغ المعتبر المبني على الدليل، وبين الفوضى الحقيقية التي تهدد الأمن الفكري للمجتمع. ويأتي هذا البيان نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، لرد الأمور إلى نصابها وتوجيه الاهتمام والجهود نحو مكافحة المهددات الحقيقية لعقيدة الأمة واستقرارها.

الفصول والفوائد العلمية

الفصل 1

الفصل الأول: حقيقة المرجعية الدينية والوطنية وضوابطها الشرعية

إن المرجعية الدينية في حقيقتها الشرعية ليست شعاراً سياسياً يُرفع لتصفية الخصومات، ولا قالباً جغرافياً يحدّه التراب والحدود السياسية المصطنعة، بل هي الرجوع إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بفهم سلف الأمة الصالح. ولقد بيّن الله تعالى في كتابه الكريم أن المرجع عند التنازع والاختلاف هو الوحي المعصوم، فقال سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59). وعلى هذا، فإن أي مرجعية وطنية يراد لها البقاء والقبول في نفوس المؤمنين لا بد أن تكون خادمة للدليل الشرعي، مستمسكة بالأصول الثابتة التي سار عليها أئمة الإسلام. والجزائر كبلد إسلامي عريق، كانت مرجعيتها عبر القرون مبنية على تعظيم النصوص والالتزام بالسنة النبوية الشريفة، ولم تكن يوماً أداة لإقصاء السنن الثابتة أو التضييق على طلبة العلم والمصلين. إن محاولة حصر الدين في زاوية ضيقة أو ممارسات محدودة وتسمية ذلك بالمرجعية الوطنية هو في الحقيقة جناية على الشريعة وافتئات على هوية الأمة المسلمة التي كافحت وجاهدت من أجل الحفاظ على إسلامها وعقيدتها. إن المرجعية الحقيقية التي تحمي وحدة الصف وسلامة المجتمع هي التي تفتح صدرها لكل ما ثبت بالدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجمع القلوب على أصول السنة والتوحيد، وتنبذ البدع والحدثان، ولا تسمح للمتطفلين بتوظيف الدين لأغراض فكرية ضيقة، بل تحرص على بقاء منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناراً للهداية والبيان المستمد من الوحيين، بعيداً عن أهواء المتكلمين وتنطّع المرجفين الذين يضيقون ما وسعه الشرع المطهر. فالواجب على من يتصدى للحديث عن المرجعية أن يدرك أن أصول الإسلام جامعة، وأن الفقه الإسلامي أوسع من أن يحصر في اختيار فقهي واحد يلغي ما سواه من السنن الثابتة المستفيضة التي صحت عن نبي الهدى صلى الله عليه وسلم.

الفصل 2

الفصل الثاني: تفكيك مفهوم "الفوضى الدينية" والفرق بين الاختلاف السائغ والفرقة المذمومة

شاع في الآونة الأخيرة على ألسنة بعض البرلمانيين والسياسيين استخدام مصطلح "الفوضى الدينية" لوصف بعض الممارسات الفقهية المتنوعة داخل المساجد، كالاختلاف في صفة الصلاة أو في روايات القراءة. وهذا التصوير مبني على مغالطة علمية واضحة، إذ يخلط بين الاختلاف الفقهي السائغ المبني على الأدلة وبين الفرقة المذمومة المنهي عنها شرعاً. إن الاختلاف في الفروع الفقهية هو من السعة والرحمة التي منّ الله بها على هذه الأمة، وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في مسائل فرعية كثيرة ولم يبدع بعضهم بعضاً ولم يتهم بعضهم بعضاً بإحداث الفوضى. قال الله جل وعلا في ذم التفرق الحقيقي: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105)، فهذا الاختلاف المذموم هو اختلاف القلوب والافتراق في أصول العقيدة ومفارقة جماعة المسلمين، أما تنوع الفتاوى الفقهية المبنية على نصوص الشريعة فليس من الفوضى في شيء. إن محاولة صبغ المساجد بلون فقهي واحد قسري يمنع المصلين من إظهار السنن الثابتة هو التضييق عينه, وهو الذي يولد الاحتقان والفرقة. فالواجب شرعاً وعقلاً إدراك أن تنوع المسائل الفقهية كالسدل والقبض، وعدد التسليمات، ودعاء الاستفتاح، وتنوع القراءات المتواترة، كل ذلك مما وسعه الفقه الإسلامي منذ القرون المفضلة. ووصف هذه المظاهر بالفوضى الدينية يعبر عن ضيق أفق فقهي وعدم إدراك لطبيعة هذا الدين العظيم وسماحته. إن الفوضى الحقيقية هي التي تقع حين يتكلم في شؤون الدين من لا يحمل أهليته العلمية، فيحلل ويحرم بغير أثر من علم، ويثير النزاعات الفرعية في المجالس النيابية والوسائل الإعلامية لتشويش العامة وإفساد ذات البين. ولذلك نبه الأئمة قديماً وحديثاً إلى أن المسائل الاجتهادية لا إنكار فيها، وأن الإنكار إنما يتوجه للمخالف للنص الصريح أو الإجماع القطعي. أما من اتبع سنة صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مأجور مثاب، ولا يجوز شرعاً رميه بالفوضى أو الفتنة. وإن حماية الأمن الفكري والروحي للأمة تبدأ من نشر العلم الصحيح وبث روح التسامح الفقهي القائم على الدليل، لا بمحاولة فرض مذهب معين بحد السيف أو بقوة القوانين الإدارية التي تلغي حرية الاتباع لرسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم.

الفصل 3

الفصل الثالث: مسألة السدل والقبض في الصلاة في ميزان السنة والمذهب المالكي

تعد مسألة القبض والسدل في الصلاة من المسائل الفقهية الشهيرة التي كثر حولها الكلام، وقد جعلها بعض البرلمانيين معولاً للطعن في عبادات المصلين ووسمها بالفوضى. والحق الذي تدل عليه نصوص الشريعة وتواترت عليه كتب المذهب المالكي أن القبض سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نص عليها الإمام مالك رحمه الله في كتابه "الموطأ" وهو المرجع الأصيل للمذهب. فقد بوّب الإمام مالك باباً سماه "وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة"، وأورد فيه حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (رواه البخاري). كما أورد حديثاً آخر يرفع الأمر إلى كلام النبوة. والقول بأن القبض وافد على المذهب أو أنه من الفوضى هو جهل عريض بكتب المالكية وبمنهج الإمام مالك نفسه. وحتى لو قيل بوقوع الخلاف داخل المذهب في كراهة القبض في صلاة الفرض كما نُقل في المدونة، فإن ذلك معلل عند المحققين بـخوف اعتقاد المصلين وجوبه أو الاعتماد عليه، وليس لرفض السنة نفسها. ولهذا فإن أئمة الفتوى في الجزائر المعينين من قبل وزارة الشؤون الدينية، والذين يستندون إلى المرجعية، قد صرحوا مراراً وتكراراً بأن كلاً من القبض والسدل صحيح، وأن الصلاة تصح بهما معاً بلا حرج، ولا ينبغي التشويش على المصلين في مثل هذه المسائل الفروعية السهلة. وقد نقل الشيخ أبو معاذ في الصوتية كلاماً لأحد كبار مشايخ الصوفية والطرقية في الجزائر وهو يؤكد هذا المعنى ويقرر أن الصلاة صحيحة في الحالتين، مما يبين أن محاولة إثارة هذه القضية في البرلمان وجعلها مشكلة وطنية تهدد المرجعية هي محاولة مفتعلة وخروج عن مسلك الحكمة والعلم الذي تقتضيه المصلحة العامة. إن السلفية الأثرية تدعو إلى اتباع السنة أينما كانت ومع من كانت، مع احترام الاجتهادات الفقهية المعتبرة. ولا شك أن من يقبض يده في الصلاة ممتثلاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم هو متبع للسنة الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام، ومن سدل فلا تبطل صلاته ولا يثرب عليه، ويبقى الود والوئام بين المصلين في المسجد الواحد. إن تضخيم هذه الفروع ومحاولة سن قوانين تمنع القبض هو هدم للأصول وتضييق لرحمة الشريعة التي تسع المسلمين جميعاً.

الفصل 4

الفصل الرابع: رواية ورش ورواية حفص ودعاوى التهديد المزعوم

أثارت مداخلة البرلماني الجزائري قضية قراءة القرآن برواية حفص عن عاصم في صلاة التراويح ببعض مساجد العاصمة، واصفاً ذلك بأنه تهديد صارخ لرواية ورش عن نافع التي تمثل ركيزة من ركائز المرجعية الدينية الوطنية. وهذا الطرح ينطوي على تهويل غير علمي وتحامل لا مبرر له. فرواية حفص ورواية ورش كلاهما قراءتان متواترتان نزل بهما الوحي المعصوم من عند الله عز وجل، وتلقتهما الأمة بالقبول جيلًا بعد جيل. ولم يقل أحد من علماء المسلمين قط إن قراءة متواترة يمكن أن تهدد قراءة أخرى، بل إن تعظيم القرآن الكريم يقتضي تعظيم كل قراءاته ورواياته الصحيحة. ثم إن القول بأن رواية حفص مستوردة أو غريبة عن المرجعية هو مجازفة علمية، فكما أن حفصاً كوفي عراقي، فإن ورشاً مصري، ونافعاً مدني أصبهاني، فكل هذه القراءات تنبع من مشكاة النبوة وليست حكراً على رقعة جغرافية محددة. ولقد وفق وزير الشؤون الدينية الجزائري في جوابه حين بين للبرلماني أن هناك تنوعاً تاريخياً في القراءات داخل الجزائر، حيث يقرأ بعضهم برواية قالون عن نافع في بعض المناطق الشرقية والجنوبية، وأن هذا التنوع مقبول ولا يمكن إلغاؤه. وإذا عجز المسجد عن إيجاد إمام يتقن رواية ورش في صلاة التراويح، وصلى بهم قارئ حافظ متقن برواية حفص، فإن هذا خير عظيم وصلاة صحيحة مقبولة بإجماع المسلمين، ولا ينبغي حرمان المصلين من صلاة التراويح وسماع كتاب الله بحجة التمسك بـ "رواية واحدة" حصراً. إن هذا التعصب الضيق لا يخدم كتاب الله ولا يجمع كلمة المسلمين، بل يؤدي لعزل المجتمع عن تراثه القرآني الواسع وقراءاته المتواترة التي توارثها القراء والحفاظ في الحواضر والزوايا العلمية عبر العصور. وإن من أعجب العجب أن يدعي شخص أنه خريج زاوية ويعلم الروايات ثم ينكر قراءة القرآن برواية متواترة في مساجد المسلمين. فالزوايا الحقيقية والمدارس القرآنية كانت وما زالت حصوناً لتعليم القرآن بقراءاته المتعددة، وتعليم طلبة العلم وجوه الأداء والرواية. إن الواجب هو تشجيع الحفاظ والقراء وتكريمهم مهما كانت الرواية التي يقرؤون بها، مع الحفاظ على الهوية العامة للمصاحف المطبوعة برواية ورش، دون أن يتحول ذلك إلى سيف مسلط على رقاب الأئمة المصلين الذين يؤدون شعائر الله بخشوع وطمأنينة.

الفصل 5

الفصل الخامس: مناقشة دعوى "تأميم الفتوى" وتشبيه العلم بالسلع التجارية المستوردة

من أغرب ما جاء في مداخلة البرلماني محاولة تشبيه الفتوى الشرعية بالبضائع التجارية المستوردة، ودعوته إلى ضرورة ضبط الفتوى ومنع ما أسماه "الفتاوى المستوردة" لحماية المرجعية الوطنية، قياساً على سياسة الدولة في ضبط الاستيراد لحماية الاقتصاد الوطني. وهذا التشبيه فاسد من وجوه عدة؛ أولاً: أن العلم الشرعي نور إلهي ووحي منزل لا تحده الحدود الجغرافية ولا القوانين الجمركية، والحق يؤخذ ممن جاء به بالدليل والبرهان، لقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111). ثانياً: أن كبار علماء الأمة الإسلامية في الحجاز ومصر والشام واليمن هم مرجع المسلمين جميعاً في النوازل والمسائل العلمية، وعزل المجتمع الجزائري عن الاستفادة من فتاوى هؤلاء الأكابر هو قطع لرحم العلم وصحراء فكرية وجفاف روحي يُراد فرضها على المجتمع. ثالثاً: أن الفتوى تفتقر إلى الأهلية العلمية والتقوى وأصول الاستنباط الفقهي، وليست بضاعة تُصنع في مصانع محلية أو دولية. نعم، إن ضبط الفتوى ومنع المتطفلين والجاهلين من الخوض في دين الله هو مطلب شرعي ووطني ملح، ولكن هذا الضبط يجب أن يكون بالرجوع إلى أصول الاستنباط المعتبرة وتمكين العلماء الراسخين، لا باتخاذ "الوطنية الجغرافية" معياراً لقبول الحق ورده. إن محاولة عزل شباب الأمة عن التوجيهات العلمية لكبار العلماء بحجة المرجعية الوطنية يؤدي لفتح الباب أمام الفتاوى الشاذة والتكفيرية التي تروج لها جماعات الجهل والخراب عبر شبكات الإنترنت، لأن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وإذا حُرم الشباب من العلم الصافي المستمد من كبار علماء السنة، تلقفتهم أيدي أهل البدع والضلال والتكفير والفساد الفكري. ولقد أكد معالي الوزير في جوابه هذه الحقيقة من حيث لا يشعر السائل، حين ذكر وجود اتفاقيات تعاون وتوأمة بين وزارة الشؤون الدينية ومؤسسات إفتاوية خارجية كدار الإفتاء المصرية وغيرها لتدريب وتكوين المفتين الجزائريين على فقه النوازل والمذهب المالكي، مما يثبت تهافت دعوى منع الاستفادة من علماء الخارج وتجريم التواصل العلمي بين أقطار الأمة الإسلامية. إن الشريعة الإسلامية شريعة عالمية صالحة لكل زمان ومكان، والتواصل بين علمائها هو صمام الأمان لضبط الفتوى ونشر الوسطية والاعتدال.

الفصل 6

الفصل السادس: تسييس المرجعية واستعمالها كأداة لإقصاء المخالف وتصفية الحسابات

يحذر الشيخ أبو معاذ محمد مرابط حفظه الله في هذا المبحث من مغبة تسييس مفهوم "المرجعية الدينية" واستعماله كغطاء لتصفية الحسابات الشخصية أو الفكرية ضد فئة معينة من أبناء الوطن، ولا سيما الدعاة السلفيين وطلبة العلم الأثريين الذين لا يبغون في الأرض فساداً ولا علواً. إن بعض الجهات والسياسيين يطرحون قضايا فرعية يسيرة ويهولون من شأنها في المجالس الرسمية ليس حباً في الدين ولا غيرة على المذهب المالكي، وإنما لاتخاذ ذلك ذريعة للتحريض على إقصاء إخوانهم والتضييق عليهم في مساجدهم ووظائفهم. إن هذا المسلك الإقصائي هو الذي يهدد حقيقة الأمن القومي والوحدة الوطنية التي طالما حرص عليها العقلاء وحكماء البلد. فالمرجعية الوطنية الحقيقية يجب أن تكون جامعة ومستوعبة للتنوع السائغ، لا سوطاً يُجلد به كل من التزم بالسنة النبوية الصحيحة. إن السلفيين في الجزائر هم من أكثر الناس حرصاً على استقرار البلاد وطاعة ولاة الأمور بالمعروف، والابتعاد عن الفتن الحزبية والثورات والخراب السياسي، وتوجيه جهودهم للدعوة إلى التوحيد ونشر العقيدة الصحيحة وحفظ القرآن وتعليم الفقه وتطهير المجتمع من الآفات الأخلاقية. ومحاولة تصوير التزامهم بالسنن كـالقبض والتسليمتين وزكاة الفطر قوتاً على أنه خروج عن المرجعية الوطنية هو خيانة علمية ووطنية. إن الواجب على المخلصين تفويت الفرصة على المتربصين الذين يريدون زرع بذور الشقاق والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، والعمل على ترسيخ لغة الحوار العلمي المؤصل المبني على الدليل القرآني والنبوي، لا على القهر والمنع والتحريض الإعلامي الفج الذي يخدم أعداء الملة والوطن. إن إذكاء نعرات الإقصاء والفرقة واستغلال المنابر البرلمانية لإثارة الخلافات الهامشية يسهم في شحن النفوس ويخلق فجوة بين فئات المجتمع، في حين أن الجزائر في غنى عن هذه الصراعات الوهمية، وهي بحاجة ماسة لالتفاف أبنائها وتماسكهم أمام التحديات الاقتصادية والسياسية والتهديدات الخارجية الحقيقية التي تحيط بالبلاد من كل حدب وصوب.

الفصل 7

الفصل السابع: تفصيل فقهي في نوازل العبادات: زكاة الفطر نموذجاً

أشار البرلماني في مداخلته إلى ما أسماه "فوضى زكاة الفطر" التي تتكرر كل عام، حيث ينقسم الناس بين مخرج لها نقداً ومخرج لها طعاماً، مطالباً بحسم هذه المسألة قسرياً. والرد على ذلك يقتضي بسطاً فقهياً يبين أن هذا الاختلاف هو اختلاف فقهي قديم وصائغ، وليس فوضى مستحدثة. فجمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة يوجبون إخراج زكاة الفطر طعاماً من قوت البلد، استناداً إلى السنة الثابتة لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط" (رواه البخاري). بينما ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله وبعض السلف إلى جواز إخراج القيمة نقداً. فكل من الفريقين له أدلته وتوجيهه الفقهي، والأمر متسع والحمد لله. إن محاولة تصوير هذا الخلاف السائغ الذي تتسع له الصدور كـ "كارثة سنوية" تتطلب تدخل البرلمان لمنعه بقوة القانون، هو تهويل عجيب وتضييق لما وسعه الشرع المطهر. فالناس أحرار في عباداتهم يتبعون فيها الدليل وما يطمئن إليه قلوبهم من فتاوى الأئمة، ومن أخرجها قوتاً فقد أصاب السنة وخرج من الخلاف بيقين، ومن أخرجها نقداً مقلداً لمن يجيز ذلك فلا تبطل صلاته ولا صيامه ولا ينبغي الإنكار الشديد عليه. إن الفوضى الحقيقية هي التي تقع حين تحاول جهة ما فرض رأي واحد بقوة السلطان في مسألة اجتهادية فرعية يسع الناس فيها الخلاف، مما يسبب البلبلة والفرقة بين المصلين في المسجد الواحد وداخل البيت الواحد، ويثير الشحناء والتباغض بين المسلمين في أعظم مواسم الطاعة والعبادة كعيد الفطر المبارك. والواجب على طلبة العلم والدعاة أن يوضحوا الأحكام الفقهية للناس بأدلتها الشرعية وبكل أدب واحترام للمخالف، دون تشنج أو تباغض. وإن بقاء هذا التنوع الفقهي التعبدي هو دليل على حيوية الفقه الإسلامي وسعته، وليس دليلاً على ضعف الدولة أو انفلات المرجعية الدينية. فالنظام العام للدولة لا يتأثر بإخراج المواطن لزكاته قوتاً أو نقداً، بل المصلحة تقتضي ترك الناس وخياراتهم الفقهية طالما أنها تندرج تحت الاجتهاد الإسلامي المعتبر والمأثور عن أئمة الهدى عبر القرون.

الفصل 8

الفصل الثامن: نقد دعوى توحيد الزي الرسمي للأئمة والبعد التربوي للباس الشرعي

تطرق البرلماني أيضاً إلى مسألة لباس الأئمة، مستشهداً ببعض الدول التي فرضت زياً موحداً لأئمتها، ومطالباً بتطبيق ذلك في الجزائر وتجريم ارتداء لباس القشبية التقليدي في المساجد. ولقد واجه الشيخ أبو معاذ هذا الطرح بنقد حكيم وأسوب تهكمي لطيف، مقترحاً أن يُبدأ بتوحيد لباس البرلمانيين أولاً لتسهيل التجربة قبل فرضها على عشرات الآلاف من الأئمة في طول البلاد وعرضها. إن الشريعة الإسلامية لم تحدد للمسلمين عامة ولا للأئمة خاصة زياً معيناً بصفته وشكله، بل وضعت ضوابط عامة للباس الشرعي كستر العورة، وتجنب الإسراف والخيلاء، والابتعاد عن التشبيه بالكفار أو النساء. وطالما أن الإمام يرتدي لباساً ساتراً محتشماً يعبر عن وقار العلم وأصالة المجتمع، سواء كان عباءة أو قميصاً أو برنساً أو قشبية تقليدية، فلا وجه شرعي ولا عقلي لمنعه أو إلزامه بزي رسمي غربي أو مستحدث. إن مثل هذه الدعاوى تركز على القشور والمظاهر وتغفل عن اللباب والجوهر. فالأئمة في حاجة إلى دعم علمي ومادي ومعنوي يمكنهم من أداء رسالتهم الدعوية والإصلاحية في المجتمع، وتوحيد لباسهم لن يحل مشكلات الأمة الفكرية أو الاجتماعية، بل قد يزيد من التكاليف المادية والتعقيدات الإدارية بلا طائل. إن الهوية الوطنية والجزائرية تتجلى في هذا التنوع والتمسك باللباس التقليدي الأصيل الذي ارتبط بتاريخ الجهاد والعلم في البلاد، ووصف ارتداء القشبية أو الألبسة التقليدية المحتشمة بالمسجد بأنه مظهر من مظاهر الفوضى هو تنكر للأصالة وجناية على الذوق العام للمجتمع الذي يألف هذه المظاهر الطيبة ويرى فيها وقاراً وسمتاً حسناً يليق ببيوت الله عز وجل. فالأولى بالسياسيين والبرلمانيين أن ينأوا بأنفسهم عن الخوض في مثل هذه الشكليات الجوفاء التي تشغل الأوقات وتستنزف الطاقات دون طائل، وأن يتوجهوا بدلاً من ذلك إلى قضايا التعليم والتنمية وحماية الأخلاق العامة ومكافحة الفساد والرذيلة في المجتمع. فالإمام بمقامه العلمي وأمانته الدعوية هو أدرى بما يصلح لمسجده ومحيطه من اللباس الساتر الوقور الذي يعكس شخصية العالم المربي الناصح لأمته.

الفصل 9

الفصل التاسع: حقيقة دور البرلماني ومسؤوليته أمام ناخبيه وفي الدفاع عن ثوابت الأمة

إن النائب في البرلمان يمثل الشعب ويحمل أمانة كبرى وصوت المواطنين الذين انتخبوه ليطالب بحقوقهم وينقل انشغالاتهم التنموية والاقتصادية والاجتماعية إلى السلطة التنفيذية. ومن العجب العجاب أن يترك البرلماني قضايا منطقته التنموية كالبطالة، وتدهور البنية التحتية، ونقص الخدمات الصحية والتعليمية في ولاية تيسمسيلت التي انتخبته، ويذهب إلى العاصمة ليصلي في مساجدها ثم يقف أمام وزير الشؤون الدينية يشتكي من قراءة الإمام برواية حفص أو قبض المصلين لأيديهم في الصلاة! إن هذا التصرف يعكس انحرافاً واضحاً في فهم المسؤولية النيابية، واستغلالاً للمنبر البرلماني لإثارة قضايا شخصية أو خلفيات مذهبية ضيقة لا علاقة لها بهموم الشعب الحقيقية. إن المواطن الجزائري يبحث عمن يدافع عن معيشته وكرامته وقوته اليومي، وعمن يراقب أداء المؤسسات ويحارب الفساد المالي والإداري، لا عمن يتصيد أخطاء الأئمة الفروعية ويطالب بقهر المصلين في عباداتهم وتوحيد لباسهم. إن الواجب على ممثلي الشعب أن يكونوا على قدر الأمانة والمسؤولية، وأن يدركوا أن دورهم هو تعزيز اللحمة الوطنية وتقوية الروابط بين أفراد المجتمع، والابتعاد عن إثارة الفتن والتحريض ضد الدعاة وطلبة العلم الصالحين. فالمجلس الشعبي الوطني منبر للتشريع والتنمية والرقابة، وليس محكمة فقهية لمحاسبة الناس على اجتهاداتهم التعبدية التي صحت بها السنة النبوية الشريفة وأقرتها المذاهب الإسلامية المعتبرة. ولذلك فإن نقد هذا المسلك وتبيين انحرافه هو واجب النصيحة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يعود كل مسؤول إلى ثغره الذي اؤتمن عليه، ويشتغل بما ينفع الناس حقيقة في معاشهم ومعادهم. إن إلهاء الرأي العام بهذه المسائل الهامشية يسهم في تشتيت الطاقات وتعميق الفجوة بين المواطن وممثليه، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أقصى درجات التلاحم والتعاون بين الحاكم والمحكوم لبناء مستقبل مزدهر يحفظ الدين ويحمي الوطن من كيد المتربصين.

الفصل 10

الفصل العاشر: المهددات الحقيقية لأمن البلاد العقدي والفكري

في هذا الفصل الختامي، يسلط الشيخ أبو معاذ محمد مرابط حفظه الله الضوء على الخطر الحقيقي والمهددات الفعلية التي تحدق بأمن وعقيدة الشعب الجزائري، والتي ينبغي للبرلمانيين والمسؤولين والغيورين على الوطن أن يوجهوا جهودهم وقوانينهم لمحاربتها والتحذير منها. فبينما ينشغل بعض النواب بمسائل فرعية مثل القبض والسدل أو رواية حفص، تتغاضى أعينهم عن حركات التنصير النشطة، ومخاطر الفكر التكفيري الخارجي (الدواعش والقاعدة) الذي يسعى لسفك الدماء وتخريب المنشآت، وعقائد الروافض الشيعية والقاديانية والبهائية والفرق المنحرفة التي تستهدف عقيدة التوحيد الصافية للجزائريين. كما يتناسون المؤامرات السياسية والأمنية التي تقودها حركات انفصالية وتخريبية كـحركة الماك الإرهابية وحركة رشاد وغيرهما من الجماعات التي تسعى لتمزيق وحدة التراب الوطني وإثارة الفتن والاضطرابات في البلاد. إن هذه المهددات الحقيقية هي التي تستحق استجواب الوزراء وسن التشريعات الصارمة وتعبئة الرأي العام والخطباء لمواجهتها وتطهير المجتمع من سمومها. إن الانشغال بالفروع التعبدية والتحريض ضد السلفيين الذين هو خط الدفاع الأول ضد التكفير والبدع والافتراق هو تفويت للمصالح العظمى وإشغال للأمة بالترهات. إن أمن الجزائر وعقيدتها في خطر حقيقي إذا سُمح للمناهج الضالة بالانتشار، وإذا عُزل الشباب عن علمائهم الراسخين، والواجب والمسؤولية تقتضي توحيد الجهود لحماية حياض الإسلام وحفظ أمن واستقرار هذا الوطن الغالي. إن السلفيين الأثريين كانوا وما زالوا سداً منيعاً في وجه كل الأفكار التخريبية والتيارات الوافدة التي تستهدف استقرار الجزائر، ودعوتهم قائمة على السمع والطاعة في المعروف لولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين ونبذ العنف والثورات. والتحريض ضدهم ومحاولة رميهم بمخالفة المرجعية هو في الحقيقة استهداف لأحد أهم صمامات الأمان العقدي والفكري في البلاد. فالواجب على العقلاء والمسؤولين إدراك هذه الحقائق، وتوجيه بوصلة الاهتمام نحو التهديدات الوجودية الحقيقية التي تتربص بالأمة وعقيدتها، بدلاً من إثارة زوابع فقهية فرعية في فناجين السياسة والبرلمان.

تنبيهات منهجية وقواعد سلفية

القصص واللطائف التربوية

وصية ختامية

M
منصة الشيخ مرابط العقيدة والمنهج السلفي

منصة دعوية علمية تعنى بنشر تراث الشيخ أبي معاذ محمد مرابط حفظه الله، وتسهيل الوصول إلى دروسه ومحاضراته ومقالاته العلمية على منهج أهل السنة والجماعة.

تواصل معنا والشبكات

الجزائر العاصمة، الجزائر
© 2026 جميع الحقوق محفوظة لمنصة الشيخ محمد مرابط.
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية