الرئيسة المرئيات صبرا أهل غزة! لأبي معاذ محمد مرابط
مشاركة المادة:
الشيخ أبو معاذ محمد مرابط تاريخ النشر: 18 مارس 2025
إصدار علمي مستفيض

صبرا أهل غزة!

نصائح إيمانية في فقه الصبر والرضا بالقضاء والقدر

فضيلة الشيخ: أبو معاذ محمد مرابط حفظه الله 18 رمضان 1446 هـ الموافق لـ 18 مارس 2025 م إدارة قناة الشيخ أبي معاذ محمد مرابط

مقدمة الكتاب

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِيعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 70-71). أما بعد؛ فإن ما يمر به إخواننا في غزة وفلسطين من مجازر وآلام مستمرة، ليمتحن إيمان القلوب ويختبر ثبات النفوس على أصول التوحيد والسنة. وإن أعظم المصائب هي مصيبة الدين، حين يجمع المرء بين ألم المصيبة الدنيوية وبين إثم التسخط على أقدار الله تعالى. وهذه الكلمات والتعليقات هي دعوة جادة للمراجعة الإيمانية، وتذكير بفضيلة الصبر والاحتساب، وبيان للحكم الإلهية التي تخفى على الكثيرين في خضم الأحداث الدامية والمجازر النكراء، لعل الله أن يثبت بها القلوب ويغفر بها التقصير والذنوب.

الفصول والفوائد العلمية

الفصل 1

الفصل الأول: خطورة الجمع بين مصيبتي البلاء الدنيوي والإثم الأخروي

يتناول هذا الفصل ما نبه عليه فضيلة الشيخ أبو معاذ محمد مرابط حفظه الله تعالى ونفع به من خطورة الوقوع في كيد مزدوج يجمع فيه العبد المسلم بين ألم البلاء الدنيوي وعقوبة الإثم الأخروي. إن المسلم وهو يشاهد هذه المجازر النكراء والفظائع العظام التي تحل بإخوانه المستضعفين في فلسطين، يجد في نفسه حتماً ألماً شديداً وحزناً دفيناً، وهذا مقتضى الأخوة الإيمانية وجزء من الرحمة التي جعلها الله في قلوب عباده المؤمنين، ولكن الإشكال والخطورة يكمنان في اندفاع بعض النفوس غير المرباة على العقيدة الصحيحة نحو مسالك التسخط والجزع، فيجمع هؤلاء على أنفسهم مصيبتين عظيمتين: مصيبة المصاب الدنيوي الواقع بفعل العدوان والظلم، ومصيبة الإثم العظيم والوزر الثقيل بمخالفة أصل قطعي من أصول الإيمان، وهو الرضا بالقضاء والقدر والامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى في السراء والضراء. إن هذا المزج والخلط بين ألم البلاء الصادر عن الأقدار، وإثم التسخط الصادر عن غفلة العبد، إنما هو خسارة مطلقة للدنيا والآخرة، إذ يفوت على العبد أجر الصابرين الموعودين بغير حساب، ويحمله وزر الساخطين الموعودين بالغضب والإبعاد. فالواجب الشرعي على كل مؤمن هو الحذر التام واليقظة البالغة من نزغات إبليس اللعين، الذي ينتهز أوقات الكروب والشدائد والمحن العظمى ليزحزح العباد عن ثباتهم العقدي، ويشككهم في حكمة الباري، ويوقعهم في شراك الاعتراض والتشكي من تدابير الخالق جل في علاه، وهذا ينافي بالكلية حقيقة التوحيد المتمثلة في التسليم التام والانقياد الكامل لرب العالمين في المنشط والمكره واليسر والعسر، وفي هذا تنبيه ودعوة صادقة للرجوع إلى الأصول العقدية وضبط الانفعالات بميزان الشرع المطهر الذي يعلمنا أن لله في أقداره حكماً بالغة لا تحيط بها عقول البشر القاصرة.

الفصل 2

الفصل الثاني: الصبر واجب شرعي والتسخط قدح في أصل الإيمان بالقضاء والقدر

يبين الشيخ حفظه الله في هذا الفصل أن الصبر على أقدار الله المؤلمة، لاسيما عند نزول المحن والمصائب العظام بالأمة، ليس مجرد فضيلة اختيارية أو رتبة كمالية يستحب للمسلم سلوكها، بل هو فرض لازم وواجب شرعي متعين على كل مسلم ومسلمة. وبالمقابل، فإن التسخط والجزع من المعاصي والآثام التي قد تؤول بصاحبها إلى عواقب وخيمة لا تحمد عقباها، لأنه يمس ركناً أساسياً من أركان الإيمان الستة وهو الإيمان بالقدر خيره وشره. إن العبد حين يتسخط على ما قدره الله من بلايا ومحن، فكأنه يرى في نفسه اعتراضاً على علم الله وحكمته وتدبيره، وهذا مسلك خطير قد يودي بسلامة المعتقد ويذهب بوقار الإيمان في القلب. والواجب على المؤمن أن يوطن نفسه على التسليم والرضا بمر القضاء، مستحضراً أن الله سبحانه وتعالى مالك الملك، يفعل في ملكه ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. إن تقرير عقيدة القضاء والقدر في النفوس في أوقات الشدائد هو المحك الحقيقي لصدق الإيمان وكمال العبودية لله تبارك وتعالى، فلا يستقيم إسلام عبد حتى يرضى بقضاء الله ويسلم لأمره تسليماً مطلقاً، إيماناً بأن الله سبحانه عليم حكيم رحيم، لا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له في عاجل أمره وآجله، وإن ظهر في صورة المحنة والألم الجسدي. ومن هنا تتضح منزلة الصبر في دين الله، حيث قرنه الله بالإيمان في مواضع شتى من كتابه الكريم وجعله سبيلاً وحيداً للفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة.

الفصل 3

الفصل الثالث: فضل الصبر وتكفير السيئات والدرجات العلى للمبتلين

يقف هذا الفصل مع البشارات النبوية العظيمة التي تسكب الطمأنينة واليقين في قلوب المؤمنين عند نزول البلاء وتتابع النكبات، وعلى رأسها ما ثبت في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" (رواه البخاري ومسلم). إن هذا الحديث العظيم يقرر أصلاً أصيلاً في فقه الابتلاء، وهو أن الآلام النفسية والبدنية والهموم والغموم التي تصيب المؤمن في حياته ليست عبثاً ولا هدراً، بل هي طهور وتطهير لخطاياه ورفع لدرجاته عند ربه العلي القدير الخالق جل جلاله. فكيف بعظيم ما يلقاه أهل غزة اليوم من قتل وهدم وحرق وتشريد وتجويع على أيدي اليهود الغاصبين؟ إن استحضار هذا الثواب الجزيل والاحتساب الصادق للأجر يحول المحنة في عين المؤمن إلى منحة ربانية عظيمة، ويجنبه شراك إبليس اللعين الذي يسعى لإحباط الأجر بالاعتراض والجزع. إن المؤمن يجب أن يستشعر عظيم الثواب وجزيل الأجر الكامن وراء هذه الشدائد؛ فالألم الجسدي والنفسي زائل لا محالة، والأجر والدرجات العلا باقية عند الله تعالى في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، وهذا اليقين الراسخ هو الذي يحفظ تماسك النفوس المستضعفة ويجعلها ترقب موعود الله بعين الرضا والتسليم والاحتساب التام، مما يدفع عنها وهن اليأس وإحباط الشيطان في لحظات الضيق والشدة العظمى التي تعصف بالأرض والعباد.

الفصل 4

الفصل الرابع: الصبر عند الصدمة الأولى وحقيقة الرضا بالقدر

يستعرض هذا الفصل الأدب النبوي الرفيع والمسلك الشرعي القويم في التعامل مع الفجائع والمصائب الطارئة التي تذهل العقول، حيث يركز الشيخ حفظه الله تعالى على التنبيه والتحذير لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (رواه البخاري). إن حقيقة الصبر الشرعي النافع الذي يترتب عليه الأجر العظيم والثواب الجزيل ويكتب صاحبه في ديوان الصابرين الأخيار، هو الصبر الذي يبديه العبد في اللحظات الأولى لنزول البلاء وعصف الفاجعة بالقلب وتفطر الفؤاد لهول المصاب. أما الصبر بعد فوات الأوان وزوال فورة الغضب والجزع فهو صبر اضطراري يسلو فيه المرء كراهة وتعوداً، كما تسلو البهائم في حظائرها بعد فزعها، ولا أجر فيه ولا يثاب صاحبه عليه ثواب الصابرين المحتسبين. إن الصدمة الأولى هي الميزان الدقيق والمحك الصادق الذي يكشف مخبوء النفوس ويوضح مدى رسوخ التوحيد وحقيقة التسليم في قلوب العباد الصادقين لربهم. والرضا بالقدر يقتضي أن يستقبل المؤمن قدر الله تبارك وتعالى في أول وهلة بالحمد والاسترجاع مستحضراً قوله جل وعلا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)، فيقر بعبوديته المطلقة لله وأنه راجع إليه لا محالة، مما يثمر في القلب طمأنينة إيمانية تسكن لها الجوارح وتكف بها الألسنة عن التسخط والاعتراض، ليكون الصبر والرضا ديدناً لا يفارق العبد في كل أحواله وشدائده، مقدماً طاعة ربه تبارك وتعالى ورضاه على هوى نفسه وجزعها الطبيعي المحرم.

الفصل 5

الفصل الخامس: الابتلاء بسنة الله الكونية: الوقوف عند آية البقرة

يتأمل الكاتب في هذا الفصل الآيات البينات من سورة البقرة التي تعد دستوراً ربانياً للمؤمنين في مواجهة الابتلاءات الكونية والشرعية، وهي قوله جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 155-157). ينبه الشيخ حفظه الله تعالى ورعاه إلى نكتة بلاغية وعقدية عظيمة في لفظة ﴿بِشَيْءٍ﴾ التي تفيد التقليل والتهوين، أي بشيء يسير وضئيل جداً مقارنة بملك الله الواسع، ومقارنة بما أعده الله عز وجل للصابرين من عظيم الأجر والمثوبة التي لا حدود لها ولا حصر في الآخرة. إن الابتلاء بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات هو سنة إلهية جارية وقاعدة كونية مطردة لا بد أن تمر على الأمة المؤمنة لتمحيص صفوفها وغربلة معادنها وتمييز الخبيث من الطيب، والبشارة الإلهية محصورة ومرتبطة بأهل الصبر الذين يفوضون أمرهم إلى الله ويسترجعون عند وقوع الكرب ويستسلمون لربهم طاعةً ومحبةً. وإن جزاء هؤلاء الصابرين المحتسبين هو صلوات وتزكيات من ربهم ورحمة خاصة تحفهم وهداية تامة ترشدهم في دروب الدنيا المعتمة، وهي نعم جليلة لا توازيها نعم الدنيا وزينتها مجتمعة، وتجعل المؤمن يقابل كل محنة بصدر رحب وقلب واثق بوعد ربه تبارك وتعالى، مستقراً في يقينه أن وراء كل بلاء ينزل بالعبد رحمة خفية ولطفاً إلهياً عظيماً وفضلاً واسعاً لا يحيط به عقل مخلوق قاصر مهما بلغت مداركه الفكرية.

الفصل 6

الفصل السادس: فقه الشكوى وحرمة بث الشكوى لغير الله سبحانه

يتناول هذا الفصل آفة لسانية وقلبية عظيمة انتشرت بين كثير من المسلمين في أوقات المحن المعاصرة والفتن المظلمة، وهي شكوى الرب سبحانه وتعالى إلى الخلق، والوقوع في عبارات التسخط والاعتراض التي توحي برفض أقدار الله وتدبيره، كقول بعضهم في هذه الأيام العصيبة معبراً عن جزعه وقلة صبره: "لماذا ابتلانا الله؟" أو "ماذا فعلنا ليكون لنا هذا البلاء دون غيرنا من الأمم؟"، وكأنهم يعلنون رفضهم للمحن والرزايا أو يشتكون الخالق العظيم للمخلوق الضعيف الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يملك دفعاً لشيء من البلاء. يوضح الشيخ حفظه الله تعالى أن الشكوى في الشرع على نوعين واضحين: شكوى إلى الله وتضرع إليه وهي جائزة ومستحبة بل هي من كمال العبودية والافتقار والذل للخالق سبحانه وتعالى كما قال نبي الله يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (يوسف: 86)، وشكوى من الله إلى خلقه وهي محرمة منافية للصبر الواجب وتقدح في كمال التوحيد والرضا بالربوبية والتقدير. إن من يشتكي ربه للناس كأنه يشتكي الرحيم الودود إلى من لا يرحم من البشر الضعاف، ويظهر النقص في جناب الربوبية والاعتراض على الحكمة الإلهية. والواجب الإيماني يقتضي من المسلم أن يستغفر الله من هذه الغفلات اللفظية والقلبية، وأن يعلم أن الأمر كله لله وحده، وأن الله يعلم ومصالح العباد بيده، فلا يسوغ لعبد قاصر الفهم أن يتطاول بالاعتراض على أحكام رب العالمين وتدبيره الحكيم الذي يسير العباد برحمته وعدله.

الفصل 7

الفصل السابع: هدايات الصراع وسنن الابتلاء في ضوء معركة أحد

يربط الشيخ حفظه الله تعالى في هذا الفصل برباط وثيق بين واقع المسلمين اليوم وما أصاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم في معركة أحد من القتل والقرح والألم الجسدي والنفسي الشديد الذي نال من نفوسهم الشريفة. ويتأمل الكاتب ما أنزل الله تعالى تسلية لهم وهداية للأمة بأسرها في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 139-140). إن هذه الآيات الكريمات تضع منهجاً ربانياً واضحاً وثابتاً في التعامل مع الجراح والنكبات؛ فالمسلمون هم الأعلون دائماً بإيمانهم وعقيدتهم وتوحيدهم وصالح أعمالهم وعلاقتهم بربهم، ولا ينبغي لهم أن يهنوا أو يضعفوا أو يحزنوا لضربات العدو الكافر المتغطرس. إن مداولة الأيام بين الناس سنة كونية جارية تمحص الصفوف وتكشف المنافقين من الصادقين، وتتخذ من المخلصين شهداء يكرمهم الله تعالى بمجاورة الأنبياء والصالحين في جنات النعيم مقعد صدق عند مليك مقتدر. إن فقه هذه الآيات وسننها يزيل من نفوس المسلمين اليأس والوهن، ويزرع اليقين بأن الآلام والدماء هي طريق التمكين والرفعة والتمحيص، وأن لله حكماً عظيمة وغايات بالغة في كل كرب يحل بالأمة الإسلامية لإعادة توجيهها نحو العقيدة الصحيحة والرجوع الصادق إلى ربها ومولاها العزيز القدير.

الفصل 8

الفصل الثامن: آفة الاستعجال وضرورة الصبر على وعد الله الصادق

يناقش هذا الفصل واحدة من أعظم الآفات النفسية والسلوكية التي يقع فيها كثير من المسلمين في أزمنة الصراع والمجازر، وهي آفة الاستعجال وطلب النتائج السريعة دون فقه بسنن الله في خلقه. فالنفوس بطبيعتها عجولة، تطلب النصر الفوري وزوال الكرب الفوري والاستجابة السريعة للدعاء دون وعي بسنن الله تبارك وتعالى الكونية والشرعية التي تحكم الكون بأسره. ويستحضر الشيخ حفظه الله تعالى هدي النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من هذه الآفة في قوله: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" (رواه البخاري ومسلم). إن العبد المؤمن لا ينبغي له أن يشترط على ربه في الدعاء، أو يربط إيمانه وثباته بسرعة استجابة دعائه، أو يستعجل تحقق النتائج وفق رغبته وهواه ورؤيته البشرية القاصرة، بل عليه أن يعلم أن لله تعالى توقيتاً وحكمة لا تدركها عقول البشر القاصرة مهما بلغت من الذكاء والإحاطة بالأسباب المادية والتحليلات العقلية. إن العجلة تفضي بالمرء إلى التسخط والجزع والوقوع في مستنقع اليأس وربما ترك الدعاء بالكلية، وهو عين الخسار والخذلان وسوء الأدب مع الله سبحانه وتعالى. والواجب الشرعي هو الثبات ومواصلة التضرع والدعاء بيقين تام بأن نصر الله آت لا محالة، ولكن على وفق حكمته الكونية والشرعية البالغة وتوقيته العادل، لا على وفق أهواء النفوس واستعجالها القاصر المحاط بالجهل والضعف البشري المعهود.

الفصل 9

الفصل التاسع: معالم الثبات من قصص السابقين: وقفة مع حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه

يقف الكاتب في هذا الفصل وقفة إيمانية تربوية عميقة مع الحديث المشهور لصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم خباب بن الأرت رضي الله عنه، حين جاء يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة العذاب والنكال الذي كان يلاقيه من كفار قريش وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة المشرفة، فقالوا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وعلمهم درساً بليغاً في الصبر واليقين والتمسك بالدين قائلاً: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (رواه البخاري). إن هذا الحديث العظيم يوضح بجلاء كيف كان السابقون من هذه الأمة والأمم قبلها يتحملون أشد أنواع التعذيب والابتلاء بالمنشار والحديد دون أن يتزعزع إيمانهم أو يضعف يقينهم أو يتسخطوا على أقدار ربهم. وفي المقابل, فإن كثيراً من معاصرينا يقع في الجزع والتسخط بمجرد رؤية الآلام عبر الشاشات وتناقل الأخبار المحزنة، فكيف لو نزل بهم جزء مما نزل بالأوائل من التعذيب الحقيقي؟ إنه تنبيه نبوي بليغ للأمة لكي تراجع منسوب صبرها وثباتها على الحق في مواجهة الشدائد وعواصف المحن والرزايا الجسام.

الفصل 10

الفصل العاشر: حقيقة الصراع العقدي في غزة ومؤامرات الإبادة ضد أهل الإسلام

يكشف الشيخ حفظه الله تعالى في هذا الفصل زيف الادعاءات الغربية واليهودية الصهيونية التي تحاول تصوير الحرب والمجازر في غزة على أنها ضد جماعة معينة أو فصيل سياسي بعينه أو أنها لرد اعتداء عابر. ويؤكد الشيخ بيقين راسخ لا يخالطه شك ولا ريب أن أصل هذا الصراع هو صراع عقدي وديني بامتياز، وأن هدف الأعداء الحقيقي والأول هو إبادة المسلمين وفناء أهل الإسلام في تلك الأرض المباركة وتدمير مقدساتهم، تطبيقاً وتصديقاً لقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: 8). إن اليهود هم قتلة الأنبياء ونقضة العهود والمواثيق، وهم أهل خيانة وغدر وكذب مستمر، ولا يجوز للمسلم الحق أن ينساق خلف خطاباتهم المضللة أو يصدق دعاياتهم الإعلامية الكاذبة وتبريراتهم الواهية التي يبثونها لتبرير جرائمهم البشعة ضد النساء والأطفال. إن الابتلاءات العظام والمجازر التي تقع على إخواننا هي ضريبة لتمسكهم بدينهم وإسلامهم، وعلينا كأمة مسلمة أن ندرك هذه الحقيقة بجلاء تام، لنقوي من رابط الأخوة الإيمانية في نفوسنا، ونعلم أن مؤازرتهم بالدعاء الصادق بالثبات والتسديد ونصرة قضاياهم بالتوحيد والسنة هو واجب شرعي أصيل تفرضه عقيدة الولاء والبراء الإيمانية بين أفراد الجسد الواحد كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

الفصل 11

الفصل الحادي عشر: فضل الشهادة والاحتساب لمن قضوا تحت الهدم والحريق

يخصص الشيخ حفظه الله تعالى هذا الفصل لتسلية قلوب المفجوعين وتذكير المسلمين بالمراتب العالية التي أعدها الله سبحانه وتعالى لمن يقضي نحبه في هذه الحروب والمجازر الظالمة. فمن قتل تحت الهدم أو بالحرق أو ناله القتل ظلماً وعدواناً بسبب دينه وعقيدته، فإنه يرجى له عند الله سبحانه وتعالى من الشهداء المقربين الذين كرمهم الله بالشهادة ورفع ذكرهم في الملأ الأعلى. إننا نحتسب هؤلاء الضحايا والمستضعفين والمظلومين جميعاً عند الله سبحانه وتعالى، ونرجو لهم ما وعد الله به الشهداء من سكنى الفردوس الأعلى والحياة البرزخية الكريمة التي أخبر عنها القرآن الكريم في مواضع التنزيل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169). إن استحضار فضل الشهادة في سبيل الله يسهم بشكل فعال ومباشر في تخفيف لوعة الفراق ويمسح جراح الثكالى والأيتام والمنكوبين في غزة وفلسطين بأسرها، إذ يعلمون علم اليقين أن أحبابهم وأهلهم قد انتقلوا من دار النكد والشقاء والابتلاء الفاني إلى جوار رب كريم رحيم يجزيهم على صبرهم وتضحياتهم وثباتهم أعظم الجزاء وأوفاه في دار المقامة التي لا نصب فيها ولا تعب، وهذا هو السلوى الإيمانية الحقيقية التي تمنع القلوب من السقوط في هاوية الجزع والتسخط وتعين على الصبر والاحتساب عند نزول القضاء المؤلم والمصائب الكبيرة.

الفصل 12

الفصل الثاني عشر: معالم النصر والتمكين والاستغفار من غفلة القلوب

يختم الشيخ حفظه الله ورعاه كلامه بتقرير معالم النصر والتمكين التي وعد الله بها عباده المؤمنين في محكم التنزيل، مؤكداً بيقين لا يتزعزع أن نصر الله آت لا محالة، وأن الله سبحانه وتعالى سينتقم للمظلومين ويقصم الظالمين المعتدين ولو بعد حين، فإن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته كما جاء في الحديث الصحيح. ولكن هذا النصر والتمكين الذي نرجوه وننشده يتطلب ثباتاً راسخاً على المبادئ الشرعية، ويقيناً صادقاً بموعود الله، ورجوعاً صادقاً وتوبة نصوحاً إلى الله تبارك وتعالى وتصحيحاً للمسار العقدي للأمة وإقامتها على التوحيد والسنة. ويدعو الشيخ نفسه وإخوانه المسلمين جميعاً إلى كثرة الاستغفار والتوبة من غفلة القلوب وتقصيرها الشديد في رعاية هذا الأصل العظيم وهو (الصبر والاحتساب)، حيث فرط الكثيرون في ضبط ألسنتهم وقلوبهم وجوارحهم عند نزول الفاجعة وتتابع الأخبار المفجعة، فوقعوا في شباك اليأس والشك والتشكي المذموم. إن الاستغفار هو ترياق القلوب وبوابة تفريج الكروب العظام، وبه تندفع البلايا وتستنزل الرحمات والبركات الربانية وتستقر معاني العبودية الحقة والتوحيد الخالص في نفوس العباد. فعلينا جميعاً بلزوم الثبات والاستغفار والدعاء الصادق لإخواننا المستضعفين، واليقين الراسخ بأن العاقبة الحميدة للمتقين، وأن ما يجري في هذا الكون الفسيح إنما هو بتقدير العزيز الحكيم سبحانه وتعالى ووفق علمه المحيط وسننه التي لا تبديل لها ولا تحويل في خلقه وأمره.

تنبيهات منهجية وقواعد سلفية

القصص واللطائف التربوية

وصية ختامية

ختاماً، نتوجه إلى الله العلي القدير، ناصر المستضعفين وقاصم الجبارين، أن يربط على قلوب إخواننا في غزة وفلسطين، وأن يثبت أقدامهم، ويتقبل شهداءهم، ويشفي جرحاهم، وينزل عليهم السكينة والرحمة والأمن. ونصيحتنا لكل مسلم في أوقات المحن أن يعتصم بحبل الله المتين، ويلزم جادة الصبر والاحتساب، ويطهر قلبه من دنس التسخط والاعتراض، ولسانه من الشكوى والجزع، مستغفراً ربه تبارك وتعالى من كل زلة لسان أو غفلة قلب في فهم السنن الإلهية. إن طريق النصر والتمكين للأمة يبدأ من تصحيح عقيدتها ورجوعها الصادق إلى ربها وإقامة توحيده والتسليم الكامل لأقدار العزيز الحكيم، واليقين بأن العاقبة الحميدة لأهل التقوى والإيمان، ولا عدوان إلا على الظالمين. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

M
منصة الشيخ مرابط العقيدة والمنهج السلفي

منصة دعوية علمية تعنى بنشر تراث الشيخ أبي معاذ محمد مرابط حفظه الله، وتسهيل الوصول إلى دروسه ومحاضراته ومقالاته العلمية على منهج أهل السنة والجماعة.

تواصل معنا والشبكات

الجزائر العاصمة، الجزائر
© 2026 جميع الحقوق محفوظة لمنصة الشيخ محمد مرابط.
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية