00:12 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يقال في هذه الأيام: أمة المليار لم يُستجب لها، وهي
00:21 كلمةٌ تخفي خلفها ظن السوء بالله رب العالمين. يا أمة الإسلام، أما قرأتم قول
00:28 الله تعالى، وأنتم أهل القرآن: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؟ يا أمة الإسلام، أما قرأتم
00:37 قول ربكم: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
00:46 دَاخِرِينَ}؟ أمركم ربكم بدعائه ووعدكم بالاستجابة، فهل تلتزمون بقول ربكم أم تستكبرون عن
00:55 هذه العبادة؟ {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}. هذا الكلام الذي يقال
01:03 ويُشاع ويُذاع هذه الأيام حول الدعاء، وأن الله لم يستجب للمسلمين، هو من أخطر آفات
01:10 اللسان التي تُقال في ساعات الفتن. تأملوا في هذا الكلام: إذا لم يستجب الله للمسلمين،
01:17 فلماذا لم يستجب لأهل غزة وهم الآن في مصيبة وكرب؟ والله تعالى قال في كتابه: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
01:25 وَيَكْشِفُ السُّوءَ}. أهل غزة أليسوا مضطرين الآن؟ قولوا بربكم، هل سيقول قائل
01:33 منكم إن الله تعالى لم يستجب لهم؟ أنتم يا من تتفرجون وتنظرون وتتألمون بسبب هذه
01:42 المأساة، تقولون بأن الله لم يستجب لكم، فما هو جوابكم حول دعاء أهل غزة وهم الآن
01:49 يتجرعون مرارة الموت؟ يقول الرجل الكلمة لا يلقي لها بالاً، تهوي به في نار جهنم سبعين خريفًا.
01:56 اتقوا الله تعالى في هذه الأيام وفي هذه الساعات العصيبة التي هاجت فيها العواطف و
02:02 المشاعر. أمسكوا ألسنتكم وأقلامكم، ولا تقولوا إلا ما يرضي الرب، ولا تكونوا كمثل
02:09 من قال فيهم رب العالمين: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} (معناه على شك) {فَإِنْ أَصَابَهُ
02:17 خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ
02:26 الْمُبِينُ}. الخسران المبين والخسران الأكبر ليس هو في القتل وفي البلاء وفي المصائب
02:33 التي تقع عليك، وإنما الخسران المبين هو خسران العقيدة والإيمان والدين. يا أمة
02:40 الإسلام، أما قرأتم في كتاب ربكم أن الله تعالى أخبر فقال: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ
02:48 الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ}؟ مثلما مستكم هذه المصيبة، فقد مس الكافرين قرح مثله، لكن الفرق بينكم
02:55 وبين الكافرين أنكم تؤمنون بالله وتحتسبون الأجر وترجون من الله ما لا يرجون. {وَتِلْكَ
03:02 الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ}. هذه حِكم الله في المصائب. {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
03:09 الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}. فمن الحِكم العظيمة أن الله تعالى يهيئ لعباده أسباب
03:16 الشهادة. يا إخواني، هذه الشهادة منزلة عظيمة يهيئ الله لك أسبابها إن أراد بك
03:23 خيرًا. فالله تعالى يبتلي عباده ليتخذ منهم شهداء. نعم، إخواننا في غزة نحزن عليهم،
03:30 وقلوبنا تعتصر ألمًا لما يحدث لهم، لكن رب العالمين يعلم وأنتم لا تعلمون. لعل
03:37 الله تعالى اختار لهم الجنة واختار لهم المنازل الرفيعة في جنات عدن، فهل تسخطون
03:43 على ربكم؟ ألا تحبون الخير لإخوانكم؟ انتبهوا لمثل هذه الجوانب الخفية التي لها
03:50 علاقة وطيدة بأصل من أصول الإيمان، ألا وهو الإيمان بالقضاء والقدر. الخطأ في مثل هذه
03:57 الأصول (أقصد أصول الإيمان) أمر ليس بالسهل، فإيمانك في خطر. فهذا التسخط قد يؤدي بك إلى
04:05 الكفر بالله. فالتسخط أمره فظيع جدًا. وأنت في دنياك - ولله المثل الأعلى - تقوم بأشياء
04:13 يستغربها الناس، سواء من إخوانك وجيرانك أو أصحابك أو أولادك، يقول لك: لماذا فعلت هذا؟
04:20 تقول له: "أنا أعلم ما أفعل". وأنت العبد الضعيف تقول هذا الكلام بكل استكبار،
04:26 معتمدًا على نفسك وعلى قدراتك! فكيف تتسخط على أقدار الله وهو القائل: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ
04:33 وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؟ الله عز وجل قدّر لعباده أن يصابوا بهذه المصيبة إلى أن تنقضي
04:40 المدة التي قدرها الله، فلماذا تستعجلون؟ جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله
04:47 عنه - تأمل جيدًا فيما ستسمعه يا عبد الله - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزال
04:52 يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل". قيل: يا رسول الله، ما
05:00 الاستعجال؟" انتبهوا، فهذا هو الاستعجال الذي نحن واقعون فيه الآن. قال: "قد دعوتُ وقد دعوتُ"
05:08 (يعني يقول العبد حين يستعجل: قد دعوتُ وقد دعوتُ فلم يُستجب لي)، فيستحسر عند ذلك ويدع
05:15 الدعاء". يستحسر معنى ذلك: يقطع الدعاء. أنت الواجب في حقك أن تدعو ربك وأنت موقن
05:23 بوعده حين قال: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}. لكن عليك أن تدرك أمرًا مهمًا وهو أن
05:30 الإجابة ليست على مزاجك أو على حسب رغبتك. فالاستجابة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وقد ورد
05:38 هذا في حديث نبوي كما في مسند أحمد وقد صححه الألباني رحمه الله. انتبه، واستعذ
05:45 بالله من الشيطان الرجيم، وتأمل في وصايا نبيك صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله
05:50 عليه وسلم: "ما من مسلم يدعو بدعوة - وهي هذه الدعوة التي تدعوها هذه الأيام لإخوانك في
05:57 غزة - ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجَّل له دعوته
06:04 (وهذا بالنصر والتمكين)، وإما أن يدخرها له في الآخرة (تصاب في الدنيا فتدعو ربك فلا
06:12 تجد أثرًا للاستجابة، لكن الله تعالى قد يدخرها لك في الآخرة، في ذاك اليوم الذي
06:18 تحتاج فيه الحسنات وتحتاج أن تنجو من عذاب الله)، يومها تجد هذه الحسنة العظيمة،
06:24 وهي أنك كنت تدعو الله تعالى حينما أصابك بالمصائب. والثالثة، قال صلى الله عليه وسلم:
06:31 "وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". صحيح أنك لا تجد هذه الإجابة في هذه المصيبة، لكن
06:38 الله تعالى يرفع عنك من السوء ومن البلاء ما لا يخطر على بالك. يا أمة
06:45 الإسلام، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لنبيهم وقتها: "ألا تستنصر لنا؟ ألا
06:52 تدعو لنا؟" فقال صلى الله عليه وسلم - انتبهوا رحمكم الله -: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل
06:59 فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين،
07:06 ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. والله ليُتمَّنَّ هذا
07:14 الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه،
07:21 ولكنكم تستعجلون". هذا قاله صلى الله عليه وسلم لصحابته الأخيار، فكيف بحالنا اليوم؟
07:28 "ولكنكم تستعجلون". الأمر ليس إليكم، بل لرب العالمين. أنت قُمْ بالواجب واجتهدْ في تحقيق
07:36 هذه العبادة العظيمة، ثم اترك الأمر الذي لم تُكلَّف به. تتحسر على أخيك المسلم؟ لعل
07:43 الله تعالى لو أحياه الآن لقال لك: إليكَ عني فقد فزت الفوز العظيم! تخشون هلاكَ يا
07:50 أهل غزة؟ تخشون فناءَهم؟ لو حدث ذلك، ما كان لكم أن تسخطوا على أقدار الله. أما قرأتم
07:58 قصة أصحاب الأخدود؟ {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ}. هم قومٌ من المؤمنين ابتلاهم الله تعالى
08:05 بالكافرين، ألقوهم في النار ولم يرجعوا عن دينهم، ولم يبدلوا ولم يغيروا.
08:12 {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}. فكذلك أهلنا
08:18 اليوم في غزة، قد حاصروهم بالنار من كل الجهات {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا
08:25 يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}. نعم،
08:31 إخواننا في غزة لم ينقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. لم يراودنا شك
08:38 من أول يوم أن المعركة في فلسطين وفي غزة تحديدًا هي بين الإسلام والكفر. ما نَقَمَ
08:45 الصهاينةُ من أهل غزة إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ
08:51 وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا
08:59 فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}. تستعجلون بطش ربكم بهؤلاء الصهاينة؟ ولعل الله تعالى
09:07 قد ادّخر لهم العذاب في جهنم. ألا يرضيكم هذا؟ أصحاب الأخدود قال عنهم رب العالمين:
09:14 {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}.
09:22 نعم، النصر والتمكين في الدنيا هو فوز ونصر، لكن الفوز الكبير هو ما بعد الموت، إن كتب
09:30 الله لك الجنة. ألا ترضون هذا لأهلكم في غزة؟ استيقظوا
09:35 رحمكم الله تعالى، وانتبهوا لما يوقعكم فيه إبليس في هذه الأيام. والله لا نشك طرفة
09:42 عين أن إخواننا في غزة سينصرهم الله وسيرفع عنهم هذا البلاء، ولا نملك إلا
09:49 الدعاء. وهذا الدعاء هو من أعظم العبادات، لا سيما الإلحاح فيه. الله عز وجل يحب أن
09:55 تلحَّ في دعائك. فإياكم أن تنقطعوا عن الدعاء، فأنتم في خير مهما ظهرت لكم النتائج،
10:02 فلا تهنوا من هذا الدعاء، ولا تنشروا اليأس بين الناس، واحفظوا ألسنتكم في هذه
10:08 الأيام. والله المستعان. اللهم رب العالمين، ارفع البأس عن إخواننا في فلسطين. اللهم
10:15 أنزل على الصهاينة بأسك. اللهم أنزل على نتنياهو مقتك وشديد عقابك. اللهم كن
10:22 لإخواننا في فلسطين. اللهم ارزقهم الصبر. اللهم اكفهم بما شئت. اللهم اكفهم بما
10:28 شئت. اللهم اكفهم بما شئت. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.