أيّها الملحد: طريقك من هنا!
أيّها الملحد: طريقك من هنا!
حوار هادئ لكشف تهافت الفكر الإلحادي المعاصر في البيئة الجزائرية
مقدمة الكتاب
الفصول والفوائد العلمية
الفصل الأول: الحنين الخفي وصراع الهوية عند الملحد المعاصر
يقف فضيلة الشيخ أبو معاذ محمد مرابط حفظه الله تعالى في مستهل حديثه عند ظاهرة نفسية بالغة الأهمية والدلالة في تشخيص واقع الملاحدة المعاصرين، وهي حالة الصراع النفسي الداخلي والفصام السلوكي الذي يعيشه المرخص بملته المفارق لجماعة المسلمين. ويمثل الشيخ لذلك بحال شاب جزائري يعلن في منصات الإعلام خروجه من ربقة الإسلام ومعاداته لأحكامه وثوابته، ومع ذلك، يصر عندما يسأله الناس عن هويته على ذكر اسمه الأصلي وهو "إسلام". إن هذا التمسك العجيب والتلقائي باسم يمثل جوهر الدين ومقدساته يعكس حنيناً خفياً دفيناً في زوايا القلب، لا تكاد تخفيه دعاوى الكفر الباردة والتبجح بنبذ الموروث الديني. إن هذا السلوك اللاواعي يبرز بوضوح أن هذا الشاب، ومثله كثير من المتأثرين بموجة الإلحاد، يمرون بأزمة هوية خانقة؛ فهم ينكرون الخالق سبحانه بألسنتهم وينفرون من شرعه، بينما تصرخ كل جارحة في أجسادهم بالعبودية له وتثبت انتسابهم للفطرة التي فطر الناس عليها. إن الإلحاد ليس فكراً مستقراً ولا مذهباً مطمئناً يستقر عليه العقل، بل هو قلق دائم وصراع مرير ومحاولة يائسة ومستمرة لقطع الجذور الإيمانية العميقة التي نمت في الوجدان ولا يمكن لروح الإنسان أن تعيش وتتنفس بدونها. والمسلم الداعية المتأمل يدرك أن بقاء هذا الحنين الخفي لدى هؤلاء التائهين هو بمثابة خيط دقيق وبصيص نور قد يربطهم يوماً ما بساحل النجاة إذا ما تجردوا للحق وطلبوا الأمن والطمأنينة بصدق وإخلاص. ويشير الشيخ حفظه الله إلى أن هذا الحنين يظهر جلياً في الأوقات التي يواجه فيها الملحد شدائد الحياة ومصائبها، حيث يلتجئ لا إرادياً بقلبه إلى القوة المطلقة المهيمنة على الكون، وهو اعتراف فطري ضمني بوجود الخالق المعبود وتفرد جلاله وعظمته، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت: 65).
الفصل الثاني: شبهة البحث العلمي المزعوم والسطحية المعرفية لدى المشككين
يتطرق المصنف في هذا الفصل إلى نقد واحدة من أكثر الدعاوى رواجاً بين الملاحدة الجدد، وهي دعوى البحث المعرفي والتقصي العلمي الذي قادهم - بزعمهم - إلى كشف "تناقضات" الدين ومفارقة نصوصه للعقل وقيم العلم الحديث. ويبين الشيخ بأسلوب علمي رصين أن حقيقة هذا البحث المزعوم ما هي إلا قشور سطحية وتلقف لشبهات معلبة يبثها شياطين الإنس في منتدياتهم وصفحاتهم المضللة. إن هؤلاء الشباب يقعون ضحية التسرع والجهل المركب؛ إذ يعتقدون أنهم في فترة وجيزة وجولة عابرة على الإنترنت قد أحاطوا بتفاسير العلماء الكبار، وشروحات كتب السنة المطهرة، ومناهج الاستنباط الفقهي، ثم يخرجون بأحكام قطعية تعارض هذا الدين العظيم وتدعي تناقضه. إن البحث العلمي الحقيقي يتطلب تجرداً تاماً عن الهوى، ورجوعاً إلى المصادر الأصلية وتفاسير المحققين كابن جرير الطبري وابن كثير، وفهم نصوص الوحي في سياقها اللغوي والشرعي الصحيح. أما الاستماع لطرف واحد من دعاة الإلحاد والظن بأن ذلك يمثل إحاطة علمية فهو عين المغالطة والسفه. فالواجب على من رام الحقيقة أن يسلك مسالك أهل العلم والتحقيق والورع، لا أن يرتمي في أحضان الهوى ويتبع خطوات الشيطان التي تقوده إلى الضياع الفكري والتشتت المعرفي في ظلمات الجهل والضلال، متناسين قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). وبناءً عليه فإن العلم الحقيقي يدعو للإيمان والتعظيم، بينما الجهل والسطحية هما اللذان يمهدان للشك والجحود والوقوع في مستنقع الحيرة والضياع الفكري والجهل الذي يعصف بعقول الشباب غير المحصنين بالشرع. فالإسلام حث على العلم وحرم القول بلا علم والادعاء بغير دليل قطعي.
الفصل الثالث: وهم التعارض بين الإسلام وقيم العلم والإنسانية
في هذا الفصل، يفند الشيخ شبهة تعارض الشريعة الإسلامية مع مبادئ العلم الحديث وقيم الإنسانية. إن الإلحاد المعاصر يسعى جاهداً لتشويه الأحكام الشرعية والحدود الإلهية وتصويرها كعقوبات وحشية تخالف الإنسانية والرحمة، ويقترح كبديل عنها إلغاء الحدود والعقوبات الرادعة بالكلية. ويوضح المؤلف أن هذا الطرح الإلحادي هو عينه الجناية الكبرى على الإنسانية والمجتمع؛ إذ إن إلغاء العقوبات كالقصاص والحدود يفتح الباب واسعاً لانتشار الجرائم والاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال، مما يحول المجتمع البشري إلى غابة موحشة يفقد فيها الضعيف كل مقومات أمنه وحياته. إن إنسانية بلا شرع إلهي يضبطها هي فوضى مدمرة وخراب محقق، بينما شريعة الإسلام المطهرة جاءت لحفظ الضرورات الخمس التي لا تستقيم الحياة بدونها، وهي: الدين، والنفس، والعقل, والنسل، والمال. وما الحدود والزواجر الشرعية إلا صيانة لهذه الكليات وحماية للبشرية جمعاء من تغول الفساد والجريمة. كما أن الدعوى القائلة بتناقض نصوص الوحي مع العلم التجريبي هي فرية دحضها أئمة التحقيق؛ فالعلم الصحيح القطعي موافق دائماً للنقل الصريح الصحيح، ولا يقع التعارض أبداً إلا إذا كان العلم مجرد فرضيات ظنية تفتقر إلى البرهان، أو كان فهم النص الشرعي خاطئاً بعيداً عن أصول الاستدلال المعتبرة لدى علماء الأمة ومفسريها، والقرآن يقرر هذا التوافق بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آآيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 53). إن المنظومة الأخلاقية الإنسانية الحقة لا تنشأ من عدم، بل هي صدى للشرع الرباني العادل الذي يحفظ للإنسان كرامته وحقوقه المادية والمعنوية في أبهى صورها وأرقى مظاهرها الفردية والجماعية.
الفصل الرابع: مصيدة اللجوء ومنظمات حقوق الإنسان الغربية وتجارة الردة
يكشف الشيخ في هذا الموضع من الكتاب عن خلفية واقعية وخطيرة تقف وراء سقوط الكثير من الشباب المسلم في مستنقع الردة والإلحاد، ألا وهي "مصيدة اللجوء" والوعود المادية البراقة التي تقدمها بعض المنظمات الدولية التي ترفع شعارات حقوق الإنسان والحرية الفردية. إن هذه المنظمات تضع شروطاً معينة لمنح حق اللجوء السياسي أو الإنساني وضمان المستقبل المادي في البلدان الغربية، ومن أبرز هذه الشروط وأهمها أن يظهر الشاب بمظهر المضطهد والملاحق في بلده الأصلي بسبب معتقداته وأفكاره. ولأجل تحقيق هذا الشرط وتوفير الأدلة والقرائن التي تفيد بذلك، يدفع هؤلاء الشباب بدفع وتوجيه من تلك المنظمات إلى ارتكاب حماقات كبرى ومخالفات قانونية وشرعية شنيعة في بلدانهم؛ كالإعلان الصريح عن الإلحاد، وسب الذات الإلهية، وتدنيس المصحف الشريف، ونشر الرذيلة والترويج للشذوذ الجنسي والمثلية، والطعن المباشر في مؤسسات الدولة ورموزها ونظمها وقوانينها. وكل ذلك لكي يتسنى لهم توفير ملف قانوني يثبت ملاحقتهم قضائياً واضطهادهم اجتماعياً وأمنياً في بلدهم. إن هذه المقايضة الرخيصة تفضح زيف الشعارات الإلحادية، وتؤكد أن الإلحاد عند هؤلاء ليس قناعة فكرية ناشئة عن شبهات عقلية، بل هو ثمن مادي بخس يُباع به الدين والعرض والوطن من أجل حفنة من المتاع الدنيوي الفاني وزوال الكرامة الإنسانية التي لا تصان إلا بالإيمان وحفظ حدود الله تعالى ورعايتها. كما يعيش الشاب المفتون في بلاد الغربة بعد ذلك ذليلاً ممزق الوجدان، فاقداً للسكينة وأخوة المجتمع المسلم المحب الذي كان يعيش في كنفه معززاً مكرماً، ليكتشف في نهاية المطاف أنه استُخدم كأداة هدم فحسب.
الفصل الخامس: وعود الشيطان الموهومة وسنة الخذلان الإلهي للمرتدين
يركز هذا الفصل على المصير البائس والخاتمة السيئة التي تنتظر المخدوعين بوعود الهيئات والمنظمات الغربية بعد أن يتورطوا في الكفر والردة والإساءة لمقدسات المسلمين. يبين الشيخ أن سنة الخذلان هي العاقبة الحتمية لكل من سلك هذا السبيل المظلم؛ حيث تنتهي تلك الوعود الكاذبة بالسراب والندم، ويجد الشاب نفسه وقد خسر دينه ووطنه وأهله، وتخلت عنه تلك المنظمات بعد أن استنفدت غرضها منه في تشويه مجتمعه ووطنه، وربما انتهى به المطاف مشرداً يعيش في الشوارع بلا مأوى، أو سجيناً يقضي عقوبات طويلة خلف القضبان بسبب الجنايات التي ارتكبها لصناعة ملف اللجوء. يربط المؤلف هذا الحال بسنة قرآنية مطردة في الخذلان الشيطاني، مستشهداً بقوله تبارك وتعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (الحشر: 16)، وقوله سبحانه وتعالى في وصف وعود الشيطان لأوليائه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء: 120). إن هؤلاء الشباب المفتونين ظنوا أن الكفر ومحاربة الإسلام سيوصلهم إلى جنات الأرض الموعودة وحياة الرفاهية، فإذا بهم يقعون في التيه والشقاء النفسي والاجتماعي والدنيوي قبل عذاب الآخرة الأليم، ليكونوا عبرة لكل ذي لب يعتبر، وليعلم الجميع أن عزة المرء وكرامته إنما تكون بطاعة ربه والاعتزاز بدينه الحق، لا بالارتماء في أحضان أعداء الملة والوطن والاستقواء بهم، فإن عاقبة الاستنصار بأعداء الله هي الخسران والندامة الكبرى في الدارين، ولن يجد المرتد في ديار الغرب سوى الوحدة القاتلة والصقيع النفسي.
الفصل السادس: شفقة أهل الإسلام والحرص على هداية الحائرين وإنقاذ التائهين
يوضح الشيخ في هذا الفصل الدافع الشرعي والتربوي الحقيقي وراء مخاطبة الملاحدة ومجادلتهم بالحق؛ مؤكداً أن غضب المسلمين من وقوع بعض أبنائهم في الإلحاد والردة ليس دافعه الحقد الشخصي أو حب الانتقام والتشفي، بل هو الغيرة المحمودة على دين الله، والشفقة العميقة والرحمة بهؤلاء التائهين الحائرين الذين اختطفهم الشيطان من رياض الإيمان إلى مهاوي الردى. إن المسلم المتبع للسنة النبوية يتمنى الخير والنجاة والفلاح لكل إنسان، ويسعى بجهده لإنقاذه من عذاب النار وسخط الجبار. ويستشهد المصنف بالحديث الصحيح العظيم الذي يبين عظم أجر الهداية والدعوة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم خيبر: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" (رواه البخاري ومسلم). إن هذا الحرص الشديد على الهداية وإيصال الخير للناس هو الذي يدفع علماء السنة ودعاتها لتخصيص الأوقات لكشف زيف الإلحاد ومحاورة المنتسبين إليه بالتي هي أحسن. ويبين الشيخ أن الشريعة لا تكره أحداً على الدخول في الدين بالإكراه المذموم، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أكره أحداً على الإسلام قط"، بل الدعوة قائمة على البيان الساطع والحجة الدامغة والإقناع العقلي والفطري، وإن أعظم جائزة يرجوها الدعاة هي توبة الشارد وإنابته لربه لتكتب له النجاة والسلامة في دينه ودنياه وآخرته، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء سبحانه.
الفصل السابع: سر عداوة الملاحدة للإسلام دون سائر الأديان والملل المحرفة
يثير المصنف في هذا الفصل تساؤلاً جوهرياً ينبغي لكل ملحد منصف يبحث عن الحقيقة أن يطرحه على نفسه ويفكر فيه بجدية: لماذا يتركز هجوم الملاحدة ونقدهم وعداوتهم على الإسلام العظيم دون سائر الأديان والملل الباطلة والمحرفة كالنصرانية واليهودية والوثنيات الشرقية كالبوذية والهندوسية؟ ويجيب الشيخ حفظه الله بالاستناد إلى مثل عامي دارج بالعامية الجزائرية يحمل حكمة بالغة وهو: "واش تدي الموت من الدار الخالية"؛ فاللصوص لا يقتحمون البيوت الخربة المهجورة لأنهم يعلمون خلوها من النفائس والكنوز. كذلك الأمر في عالم المعتقدات؛ فالأديان المحرفة هي ديانات باطلة ميتة في حقيقتها لا تشكل خطراً على غواية الشيطان، فلذلك لا يبالي الشيطان بتحريض أتباعه عليها. أما الإسلام فهو الدين الحق الحي الباقي المهيمن الذي يحفظ الفطرة السليمة ويقود البشرية إلى بر الأمان والنجاة، ولذلك تتجه نحوه كل سهام النقد والتشويه والافتراء من شياطين الإنس والجن. إن شدة عداوة الملاحدة للإسلام هي في حقيقتها دليل باهر وغير مباشر على أنه الدين الحق المرتضى عند الله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85)، وتأمل هذا التمايز يفتح للملحد الصادق باباً واسعاً للتفكر في حقيقة حربه ومحركها الحقيقي الذي يتمثل في محاولة طمس الحق الواضح وتغطية نور الشمس بغربال الشبهات السخيفة التي لا تصمد أمام العقل الصريح الصادق الباحث بإنصاف.
الفصل الثامن: الهشاشة النفسية والوساوس الشيطانية كبوابة رئيسية للوقوع في الكفر
يتناول الشيخ بالتحليل النفسي والشرعي الدقيق الظروف النفسية والاجتماعية التي تسبق سقوط الشباب في بؤرة الإلحاد، مبيناً أن الغالبية العظمى من هؤلاء لم يخرجوا من الإسلام نتيجة قناعات عقلية ناضجة أو أبحاث فلسفية جادة، بل إن الفكر الإلحادي تمكن من عقولهم وقلوبهم في فترات الضعف والانهيار النفسي، والوقوع تحت وطأة الوساوس القهرية وضغوط الحياة اليومية والوحدة والاكتئاب والغربة. إن الشيطان خبيث يتحين هذه الفرص الذهبية حين يكون البناء النفسي للشاب مهزوزاً وقلبه ضعيفاً مشتتاً قد أرهقته هموم الدنيا ومشاكلها، فينفث سمومه وشبهاته التي تحول القلق النفسي البسيط والشكوك العابرة إلى عقائد كافرة كبرى. ويوضح المؤلف أن الاسترسال مع هذه الظروف النفسية السيئة دون اللجوء إلى العلاج الشرعي الصحيح من القرآن والسنة، والرجوع إلى أهل العلم والفضل، يقود بالضرورة إلى انحرافات مسلكية وعقائدية خطيرة؛ فالشخص المكتئب قد يوجه تدميره الذاتي نحو نفسه بالانتحار، بينما يوجهه الملحد نحو ربه وخالقه سبحانه بإنكار وجوده والاعتراض على قضائه وقدره. إن الاعتراف بالضعف النفسي والبحث عن العلاج الإيماني والشرعي في وقته يحمي المسلم من الوقوع في حبائل الكفر، ويسد الباب أمام خطوات الشيطان التي تبدأ بوسوسة عابرة وتنتهي بالردة الكاملة والعياذ بالله ونرجو الله السلامة والعفو والعافية، فالنفوس تحتاج للتزكية والتحصين الدائم بذكر الله سبحانه، والتضرع له بالثبات على الحق في مواجهة الفتن المعاصرة الشديدة التي تموج كموج البحر المظلم. وإن تفهم المحيطين بالشباب وحوارهم بالرفق كفيل بإنقاذهم قبل فوات الأوان وسقوطهم في هذه الهاوية الفكرية.
الفصل التاسع: المنهج النبوي الشافي في التعامل مع الخواطر والوساوس الشيطانية
يقدم الشيخ في هذا الفصل علاجاً نبوياً شافياً وقواعد شرعية متينة للتعامل مع مرض الوساوس والخواطر الرديئة التي تعرض للكثير من المسلمين في حياتهم. ويبين المؤلف أن ورود الخواطر والشكوك في الذهن أمر طبيعي قد يقع لعامة الخلق وحتى لأفاضل الصحابة رضي الله عنهم الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن ذلك بوجل وشدة تعظيم لله، فقالوا: "إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به"، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدداً قلقهم: "أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان" (رواه مسلم). فكره الشك ومدافعته والخوف منه علامة على الإيمان الصادق الحي في القلوب. أما المنهج النبوي العملي في علاج هذه الشبهات فهو الإعراض التام عن هذه الخواطر والأسئلة اللانهائية وعدم الاسترسال معها أو محاورتها، وقطع دابرها بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والالتجاء بالقلب لبارئه سبحانه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله ورسله" وفي رواية: "فليستعذ بالله ولينته" (متفق عليه). إن فتح باب الحوار مع الشبهات واستقبال الخواطر الشيطانية هو الذي يرسخها في القلب ويثبتها، بينما الإعراض والاستعاذة والالتجاء للحق يذهبها بالكلية ويريح بال العبد ويقطع دابر الحيرة التي يزرعها إبليس اللعين، فمقاومة الوساوس بالاستعاذة عبادة عظيمة.
الفصل العاشر: تهافت الإلحاد ورجوع أكابر فلاسفته ومنظريه في العصر الحديث إلى الإيمان
يستعرض هذا الفصل حقائق علمية وتاريخية باهرة تدحض دعوى القوة والتماسك الفكري للإلحاد المعاصر، وذلك من خلال تسليط الضوء على نهايات ومراجعات كبار منظري وفلاسفة الإلحاد الغربيين الذين قضوا أعمارهم في الدفاع عنه. ويضرب الشيخ مثلاً بارزاً وشهيراً بالفيلسوف البريطاني "أنتوني فلو" (Antony Flew)، الذي ظل لأكثر من نصف قرن يعتبر من أعتى وأشهر منظري الإلحاد الأكاديمي في العالم ومؤلفاً للعديد من الأدبيات التي تؤسس لإنكار وجود الصانع. لكن هذا الفيلسوف في أواخر حياته، وبعد تأمل عميق وتجرد علمي في الاكتشافات البيولوجية المعاصرة وتحديداً التعقيد المذهل لشفيرة الحمض النووي (DNA)، تراجع عن إلحاده بالكلية وأقر بوجود مصمم ذكي وخالق عظيم لهذا الكون، وألف كتابه الأخير والشهير المعنون بـ "هناك إله" (There is a God)، متراجعاً عن إرثه الإلحادي الطويل. ويشير الشيخ إلى ردة الفعل الغاضبة والمتفجعة لرموز الإلحاد المعاصر مثل ريتشارد دوكينز (Richard Dawkins) الذي تأسف كثيراً لرجوع شيخه الفكري وهدمه لأسس مشروعهم العقدي. إن رجوع هؤلاء الأكابر والمنظرين يثبت بيقين أن الإلحاد مذهب متهافت لا يمكن أن يصمد أمام البحث العلمي النزيه والعقل الصريح، وأن الإيمان بالخالق هو الحقيقة العلمية والفطرية الوحيدة القابلة للبقاء والخلود والدفاع عنها أمام دعاوى الملحدين المعاصرين القائمة على الظنون والأهواء المادية والجهل بالحقائق الكونية التي تعلن وحدانية الخالق وجبروته سبحانه. ويستمر الشيخ في تسليط الضوء على هذه النهاية المضيئة لأنتوني فلو، مشيراً إلى أن العناد لا يفيد صاحبه شيئاً أمام حقيقة الموت والقبر.
الفصل الحادي عشر: مراجعات الفكر العربي المعاصر: تجربة الدكتور مصطفى محمود الأنموذجية
ينتقل الشيخ في هذا الفصل لتقديم نموذج فكري متميز من البيئة العربية والإسلامية المعاصرة، وهو الطبيب والكاتب والمفكر المصري المعروف الدكتور مصطفى محمود رحمه الله وغفر له. يستعرض المؤلف رحلته الفكرية الطويلة والشاقة؛ حيث مر في شبابه بفترة من الحيرة والشك الفلسفي تحت تأثير الأفكار المادية المعاصرة، وألف خلالها كتابه الشهير والمثير للجدل في الخمسينيات "الله والإنسان". غير أن الدكتور مصطفى محمود بصدقه وتجرده لم يقف عند ذلك الحد من الضلال، بل واصل البحث والتدبر العميق في الآفاق وفي أنفسهم، وقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ودراسة معاني القرآن الكريم وأسراره اللغوية والعلمية، حتى أشرق نور اليقين في قلبه وتهافتت لديه الأفكار المادية، فرجع إلى رحاب الإيمان والتوحيد رجوعاً صادقاً، وسخر قلمه وفكره لنصرة الدين ودحض شبهات الملاحدة. وينقل الشيخ كلام مصطفى محمود بلفظه وهو يتحدث بعجب عن عظمة الرسالة المحمدية واستحالة أن تكون هذه المنظومة الإيمانية والتشريعية والأثر التاريخي المهول الذي غير مجرى البشرية وليد صدفة أو نتاج بيئة صحراوية معزولة، بل هي ظاهرة فوقية إلهية معجزة تثبت صدق نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم، مما يؤكد أن التدبر الصادق المنصف يقود حتماً للحق والهدى ويشفي حيرة المتطلعين إلى المعرفة واليقين ويبدد ظلمات الشكوك والجهالات الفكرية التي تجتاح عقول الناشئة. وقد أمضى الدكتور مصطفى محمود بقية حياته نادماً على ما اقترفه في فترات الحيرة، داعياً الشباب إلى عدم تكرار خطئه والاستفادة من تجربته وعودته المظفرة للإسلام العظيم ونشره لقيم الإيمان.
الفصل الثاني عشر: سعة مغفرة رب العالمين والترغيب في صدق التوبة والأوبة للحق
يخاطب الشيخ الشاب الجزائري وكل من يسير في فلكه بلسان مشفق رحيم مبيناً أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب وأناب، مستشهداً بآيات سورة آل عمران التي تبين عظم جرم الردة واللعنة المترتبة عليها، ثم تفتح باب الاستثناء الرحيم المشرق بالتوبة: ﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 87-89)، وقوله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال: 38). كما يذكر الشيخ بقصة البروفيسور الأمريكي المعاصر جيفري لونغ (Jeffrey Lang) أستاذ الرياضيات الذي كان ملحداً تائهاً فهداه الله بتدبر القرآن. إن التوبة الصادقة والرجوع للحق فضيلة وسعادة وأمن في الدنيا والآخرة، وإن رحمة الله تعالى ولطفه بالعبد التائب الصادق أعظم وأوسع من كل ذنب وإساءة، فحتى الدولة بقوانينها إذا رأت صدق الأوبة وصلاح السيرة فإنها قد تخفف الأحكام القضائية، فكيف برب العالمين وهو أرحم بالعبد من أمه التي ولدته؟ فليرجع الحائر إلى ربه العظيم منيباً مستغفراً طارقاً باب الرحمة الواسع متذكراً على الدوام أن التوبة النصوح تمحو ما قبلها من الإساءات والكبائر، ولا ييأسن عبد من روح الله ومغفرته مهما تعاظمت ذنوبه. إن دعوة الشيخ للشاب الجزائري إسلام ولأمثاله من الشباب الحائر هي طوق نجاة حقيقي ينتشلهم من ظلمات الإلحاد والشقاء الدنيوي إلى نور الإسلام الوارف وسعادة الدارين ونعيمها.
تنبيهات منهجية وقواعد سلفية
الضابط الأول: شمولية رحمة الله وسعة مغفرته وقبول توبة المرتد والملحد
قرر الشيخ حفظه الله ضابطاً منهجياً عظيماً مفاده أن باب التوبة والأوبة إلى الإسلام لا يُغلق أبداً في وجه أحد، مهما عظمت جنايته واشتدت ردته وجاهر بكفره وتدنيسه للمصحف الشريف أو ترويجه للرذائل، فإذا تاب العبد توبة نصوحاً مستوفية للشروط وأصلح عمله، فإن الله يغفر ذنبه ويقبل توبته، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 89).
الضابط الثاني: وجوب الرجوع إلى مصادر العلم المعتمدة وسؤال الراسخين فيه
نبه الشيخ على أن البحث في مسائل الدين لا يكون بتلقف الشبهات من مواقع الإلحاد أو ألسنة الجهال والمشككين، بل يجب السلوك المنهجي الصحيح بالرجوع إلى تفاسير العلماء المعتبرين وشروحات كتب السنة المطهرة وسؤال أهل الذكر والتحقيق، لقوله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، فالبحث السطحي العابر هو بوابة الزيغ والضلال.
الضابط الثالث: التفريق بين ورود الخواطر والوساوس الشيطانية وبين الاسترسال معها والرضا بها
أوضح المصنف أن طروء بعض الوساوس والخواطر العابرة في ذات الله تعالى قد يعرض لقلوب المؤمنين، ومدافعتها وكراهيتها هي علامة على صريح الإيمان وصدقه، بينما تكمن الخطورة والزيغ في استقبال هذه الخواطر وفتح باب الحوار معها والاسترسال في تفاصيلها، مما يمكن الشيطان من ترسيخ الشك في القلب وتحويله إلى كفر صريح، والمنهج النبوي في دفع ذلك هو الاستعاذة بالله والانتهاء فوراً.
الضابط الرابع: الحذر من الوعود البراقة للمنظمات الدولية ومصيدة اللجوء المادي
نبه الشيخ إلى ضرورة الوعي بالمخططات والمصائد التي تنصبها منظمات حقوق الإنسان وهيئات اللجوء الغربية لاستدراج الشباب المسلم وتوظيفهم كأدوات لتشويه مجتمعاتهم وبلدانهم ومقدساتهم في مقابل وعود براقة باللجوء والمستقبل المادي، والتي تنتهي غالباً بالندم والخسران الدنيوي والأخروي، مؤكداً أن كرامة العبد وعزته الحقيقية هي في طاعة ربه والاعتزاز بدينه وقيمه.
القصص واللطائف التربوية
اللطيفة الأولى: مفارقة اسم "إسلام" وصوت الفطرة الكامن في الوجدان
ذكر الشيخ لطيفة تربوية تدل على قوة الفطرة الكامنة في نفوس البشر، وتتمثل في قصة الشاب الجزائري الذي أعلن إلحاده وتمتعه باللجوء، لكنه عند حواره وحديثه مع الناس لم يستطع التخلي عن اسمه الأصلي "إسلام"، فظل يذكر اسمه للناس معلناً انتسابه لهذا الاسم العظيم. وهذا يدل على وجود حنين خفي وصراع داخلي يثبت عجز الإنسان عن التخلص التام من فطرته الإيمانية التي نشأ عليها مهما حاول التظاهر بخلاف ذلك.
اللطيفة الثانية: تراجع كبير ملاحدة الغرب "أنتوني فلو" وهدمه لقواعد الإلحاد
أورد الشيخ قصة تراجع الفيلسوف الإنجليزي "أنتوني فلو" (Antony Flew) الذي تربع على عرش الإلحاد ونظر له لعقود، ثم انتهى به المطاف قبل موته إلى الإقرار بوجود الخالق وتأليف كتابه الشهير "هناك إله"، وكيف أن تلميذه ريتشارد دوكينز وكبار الملاحدة انتفضوا ضده وحزنوا حزناً شديداً لخراب صرحهم الإلحادي بفعل تراجع شيخهم الأول ومؤسس قواعدهم الفكرية، مما يبين تهافت هذا الفكر وعدم صموده أمام العقل النزيه.
اللطيفة الثالثة: مراجعة الدكتور مصطفى محمود وعظمة ظاهرة الوحي المحمدي
نقل الشيخ قصة مراجعة المفكر المصري الدكتور مصطفى محمود رحمه الله بعد تجربة الشك الفلسفي وكتابه "الله والإنسان"، حيث انتهى به البحث الصادق إلى اليقين التام والإقرار بعظمة القرآن الكريم ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مؤكداً بعبارات بليغة استحالة صدور هذا الدين المعجز في بيئة صحراوية معزولة بالصدفة، بل هو انقلاب تاريخي وظاهرة فوقية إلهية معجزة صنعت أعظم الرجال كأبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم.
وصية ختامية
وفي الختام، يوجه فضيلة الشيخ أبو معاذ محمد مرابط حفظه الله تعالى نصيحة شفيقة ودعوة حارة بليغة لكل شاب مسلم راودته الشكوك أو وقع في شراك الإلحاد والردة، أن يتقي الله تعالى في نفسه ومصيره، وأن يدرك أن هذا العمر قصير والوقوف بين يدي الله تعالى قريب لا شك فيه. ويحث الشيخ الشباب على عدم التفريط في دينهم وأوطانهم من أجل وعود دنيوية زائفة وسراب زائل، وأن يثقوا بسعة رحمة الله ومغفرته ولطفه بعباده التائبين. كما يوصي عموم المسلمين وأهالي الشباب بالاجتهاد في دعوة هؤلاء الحائرين بالرفق واللين والحجة البالغة، وسد منافذ الشيطان عنهم، والحرص على تعليم الأبناء أصول العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وتدبر آيات القرآن الكريم التي تفتح مغاليق القلوب وتطرد وساوس الشيطان. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظ شباب المسلمين من الشبهات المضللة والشهوات المهلكة، وأن يرد حائرهم وردهم إلى دينهم رداً جميلاً، ويهدي قلوبهم لنور الإيمان والتوحيد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المناقشات والتعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. شاركنا برأيك!
