تعرف على الحقيقة بالوثيقة: هذا الذي بين الجزائر وفرنسا!
تعرف على الحقيقة بالوثيقة: هذا الذي بين الجزائر وفرنسا!
بيان واقع الصراع التاريخي مع فرنسا والرد على المرجفين
مقدمة الكتاب
الفصول والفوائد العلمية
الفصل الأول: تفنيد مزاعم التواطؤ وكشف زيف دعاوى المرجفين
ينبري فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى في مستهل هذا المبحث الهام لدحض شبهة خبيثة وأرجوفة خطيرة تلوكها ألسنة المرجفين والمغرضين في الخارج، وعلى رأسهم فلول جماعات الفتنة والتهييج الخارجي كجماعة زيطوط ومن سار على دربهم من دعاة الفوضى والخراب. حيث يروج هؤلاء لفرية عظمى تزعم وجود تواطؤ سري أو تفاهم خفي بين النظام الجزائري والدولة الفرنسية اللعينة، بغرض تثبيط الهمم وإيقاع الفرقة بين الراعي والرعية. ويرد الشيخ حفظه الله على هذا الهراء المتهافت بتساؤل إنكاري فاضح يكشف عوار هذه الشبهة: أين كان هذا النظام الذي تتحدثون عنه وتزعمون عمالته عندما دخلت هذه الدولة المارقة الخبيثة إلى بلادنا وجثمت على صدورنا لأكثر من قرن وثلث قرن من الزمان؟ إن تصوير الصراع مع فرنسا على أنه مجرد خلاف سياسي عابر مع حكومة أو نظام هو تسطيح مخل بالواقع، وتضليل متعمد لا ينطلي إلا على المغفلين والجهلة الذين سلبوا نعمة الفهم السليم. إن حقيقة الصراع مع فرنسا هي صدام وجودي وعقائدي وتاريخي عميق؛ ففرنسا لا تستهدف شريحة معينة أو حكومة بذاتها، وإنما تستهدف هوية هذا شعب المسلم الأبي، وعقيدته وثوابته وسيادته على أرضه التي سُقيت بدماء قوافل الشهداء. والذين يبثون هذه الأراجيف والاتهامات بالعمالة إنما يخدمون أجندات المحتل الفرنسي من حيث يشعرون أو لا يشعرون، إذ يسعون جاهدين لزعزعة استقرار جبهة الوطن الداخلية وتفريق الكلمة وإسقاط هيبة الدولة، مما يسهل على العدو الخارجي اختراق البلاد مجدداً والسيطرة على مقدراتها. لذلك يتعين على كل مسلم حازم تفحص الأخبار وعدم الانسياق وراء الشائعات المغرضة التي يبثها المتربصون، التزاماً بالتوجيه الرباني في كشف مكر المنافقين والمرجفين لقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (التوبة: 47)، والوقوف صفاً واحداً خلف مؤسسات الدولة وجيشها لحماية الأمن الداخلي من كل عابث ومخرب.
الفصل الثاني: فقه اليقظة والحذر من مكر العدو التاريخي
يقرر الشيخ حفظه الله أصلاً عظيماً من أصول السياسة الشرعية والحزم العقلي والفطنة الإيمانية، وهو وجوب الحذر الدائم واليقظة المستمرة من مكر العدو التاريخي المتربص بالبلاد والعباد. فإن الاستخفاف بخطر فرنسا اللعينة، وإلقاء القول على عواهنه بأنها "لن تفعل شيئاً" أو أن زمن استعمارها قد ولى وكفت أذاها، هو محض غفلة مطبقة وبلادة فكرية لا تليق بذي مروءة وعقل سليم. فالعدو الذي قتل الآباء واغتصب الخيرات واحتل الأرض قرابة مئة وثلاثين سنة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يؤمن مكره أو يُغفل عن غدره ومخططاته الخبيثة. ويضرب الشيخ حفظه الله مثلاً بليغاً من واقع حياة الناس لتقريب هذا المعنى للنفوس؛ فالمرء في بيته إذا كان لديه ذهب لزوجته أو كنز ثمين وحطام فانٍ من أموال الدنيا، فإنه يبذل قصارى جهده في إخفائه وحفظه وصيانته في أحصن الأماكن وأبعدها عن الأعين، ولا يقبل أبداً أن يفرط فيه أو يضعه في المطبخ أو الحمام عرضة للسرقة والضياع. فإذا كان هذا الحرص الشديد والتحوط البليغ مبذولاً لأجل متاع الدنيا الفاني، فكيف بهذا الوطن الغالي الأبي الذي سُقي بدماء طاهرة زكية وقوافل لا تحصى من الشهداء؟ إن حفظ الأوطان وصيانتها من أوجب الواجبات الشرعية، والتساهل في حمايتها أو الغفلة عن أعدائها خيانة للأمانة وتفريط في النعمة. إن فرنسا لم ولن تنسى اندحارها المذل وهزيمتها النكراء في أرض الجزائر، وهي تتحين الفرص وتتوسل بشتى الوسائل والمكائد الثقافية والاقتصادية والسياسية لإضعاف هذا البلد وتكبيله. لذا فإن الفطنة الإيمانية تقتضي الحذر الشديد واليقظة المستمرة من مخططات هذا الخصم اللدود، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" (رواه البخاري ومسلم).
الفصل الثالث: تحرير مقولة الشيخ الألباني رحمه الله في السياسة والرد على المتمصلحين بها
يتناول الشيخ حفظه الله بالبحث العلمي والتحرير الشرعي شبهة كثر تداولها بين العوام وبعض المنتسبين للعلم، وهي الاحتجاج بمقولة المحدث العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله: "من السياسة ترك السياسة"، للقعود عن واجب الدفاع عن الوطن والسكوت عن مكائد الأعداء الخارجيين. يبين الشيخ حفظه الله رداً على هؤلاء أن هذه المقولة قد حُرّفت عن سياقها الصحيح الذي أراده قائلها؛ فالشيخ الألباني رحمه الله إنما قصد بالسياسة المذمومة تلك الممارسات الحزبية الضيقة، والترشح للمجالس الديمقراطية المبتدعة، والاشتغال بالمهاترات السياسية التي تفرق الأمة وتلهيها عن تصفية العقيدة وتربية النفوس على الإسلام الصحيح. ولم يقصد الشيخ الألباني رحمه الله بحال من الأحوال القعود عن نصرة المسلمين، أو الغفلة عن كيد الأعداء الكافرين، أو ترك الذب عن بلاد الإسلام؛ بل إن الشيخ الألباني نفسه قد تكلم في قضايا الأمة الكبرى وأفتى بوجوب الجهاد والدفاع عن الأوطان إذا دهمها العدو. إن حماية الثغور والوقوف مع ولاة الأمور وجيش البلاد المسلم في دفع صيال الأعداء الكافرين هو من صلب الدين ومن أوجب الواجبات الشرعية وأعظم القربات، ولا صلة له بالسياسة الحزبية المذمومة. وإن توظيف هذه المقولة لتثبيط الهمم وحظر الكلام في أمن البلاد القومي في مواجهة التهديدات الفرنسية، لا سيما بعد الوقائع العسكرية كإسقاط الطائرة، هو مسلك شائن يدل على قصر نظر أو فساد طوية، ويجعل المسلمين لقمة سائغة لأعدائهم. فالعلماء الربانيون كانوا وما زالوا حصناً للأمة في دينها ودنياها، ومواقفهم واضحة في الذب عن ديار الإسلام ودفع العدوان الكافر، وقد قال الله سبحانه وتعالى في وجوب التحوط والحذر وإعداد العدة لمواجهة الأعداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: 71).
الفصل الرابع: عتب ونصيحة: نقد خفوت الصوت الإعلامي والدعوي تجاه المخاطر الخارجية
يوجه الشيخ حفظه الله في هذا الفصل عتباً شديداً ونصيحة صادقة لمختلف الفعاليات المؤثرة في المجتمع الجزائري، بدءاً من وسائل الإعلام والمؤثرين والفنانين، وصولاً إلى طائفة من الدعاة وخطباء المساجد. فالإعلام والمؤثرون الذين اغتنوا من خيرات هذا البلد وقامت أكتافهم على فضله ونعمته، يغيب صوتهم كلياً في المحطات المفصلية والأحداث الخطيرة التي تهدد أمن الوطن وسيادته. فبدل أن يسخروا برامجهم وحساباتهم لبيان خطر المكائد الفرنسية ودعم الموقف الوطني ومجابهة الآلة الإعلامية الفرنسية المعادية التي تبث السموم ليل نهار، يغرقون في ترويج التفاهات وجمع المشاهدات، أو التراشق والتهجم على من يخالفهم في الرأي لأمور شخصية تافهة. وعلى الجانب الآخر، ينتقد الشيخ صمت بعض الدعاة والخطباء الذين ملؤوا المنابر والوسائل ضجيجاً في مسائل فرعية وجزئية ما زادت الشعب إلا تشرذماً وتفرقاً، لكنهم عندما يحدق الخطر الخارجي بالبلاد ويقع الاعتداء الواضح، يلوذون بالصمت المطبق وكأن الأمر لا يعنيهم، فلا تجد منهم كلمة توجيه أو تحذير. إن واجب العلماء والدعاة ووسائل الإعلام في مثل هذه الأوقات العصيبة هو رص الصفوف، وبث الوعي، والتحذير من العدو المشترك، وتوجيه طاقات الشباب نحو البناء والدفاع عن حياض الوطن، بدلاً من إشعال الفتن الداخلية والسكوت عن المهددات الكبرى التي تحيط ببيضة المسلمين. إن صمت هؤلاء النخب في أوقات الأزمات الوطنية يعد خذلاناً للمجتمع الذي ينتظر منهم التوجيه والإرشاد. فالمنبر ليس مكاناً لتصفية الحسابات أو إثارة النزاعات الجانبية، بل هو وسيلة لإقامة الدين وحفظ الأمن القومي للأمة. كما أن وسائل الإعلام والمؤثرين مطالبون أخلاقياً وشرعياً بالانحياز لبلدهم والوقوف في وجه الغزو الثقافي والإعلامي الفرنسي الذي يحاول تزييف وعي الشباب الجزائري وإفساد فطرته وقيم دينه الحنيف.
الفصل الخامس: سلاح الكلمة والتحريض على المقاومة: الإذاعي عيسى مسعودي نموذجاً
يقف الشيخ حفظه الله في هذا الفصل وقفة إجلال وتأمل مع سلاح الكلمة الصادقة وأثرها العظيم في شحذ الهمم وتحريض النفوس على الجهاد ومقاومة البغي والاستعمار الغاشم. ويبين الشيخ أن طرد فرنسا الباغية من أرض الجزائر الطاهرة لم يكن بصوت المدافع والبنادق وفوهات الرصاص فحسب، بل كان للكلمة المؤثرة والخطاب الحماسي الصادق دور لا يقل أهمية عن السلاح في أرض المعركة. ويستحضر الشيخ سيرة أحد رموز الإعلام الثوري الجزائري، وهو المجاهد الإذاعي عيسى مسعودي رحمه الله، الذي كان صوته الهادر يبث العزيمة واليقين في قلوب المجاهدين المرابطين في الجبال، ويقذف الرعب والهلع في نفوس الغزاة الفرنسيين عبر أمواج إذاعة "صوت الجزائر الحرة المكافحة". وقد بلغ من عظيم أثره وقوة كلماته أن قال فيه رئيس مجلس الثورة الراحل هواري بومدين رحمه الله كلمته الشهيرة: "عيسى مسعودي هو نصف الثورة". ويعبر الشيخ عن أسفه الشديد لأن هذا الرجل العظيم وأمثاله يجهلهم كثير من شباب التيك توك ووسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة الذين انشغلوا بالتفاهات. لقد كانت نداءات مسعودي تهز الأرض تحت أقدام المستعمرين الفرنسيين وقوات الحلف الأطلسي، وتدعو الأبطال للتقدم ودك حصون العدو دون رحمة بالقتلة والمجرمين. إن إعادة إحياء هذه النماذج التاريخية وعرض خطابها الحماسي واجب وطني وتربوي لتذكير الجيل المعاصر بأن كرامة الجزائر صُنعت بجهاد الكلمة والدم، وأن الكلمة المسؤولة في الدفاع عن الدين والوطن هي سهم صائب في نحر الأعداء وحفظ كرامة الأمة. إن مسعودي رحمه الله كان ينادي في أثير الإذاعة بعبارات تعبق بالإيمان بالنصر، محرضاً على الصمود والجلاد والاستشهاد في سبيل الله، ومبيناً أن دماء الشهداء هي المشعل الذي سيضيء درب الحرية للأجيال القادمة. فالواجب اليوم هو الاستفادة من هذه التجربة الإعلامية الفريدة وتوظيف وسائل الإعلام الحديثة في غرس قيم التضحية وحب الوطن والدفاع عن مقدسات الأمة.
الفصل السادس: دور العلماء والمصلحين في التهيئة للثورة: جمعية العلماء المسلمين
يرد الشيخ حفظه الله في هذا الفصل بقوة على الأقلام والألسنة التي تحاول بخس جهود العلماء والمصلحين في تحرير البلاد، أو يزعمون كذباً وزوراً أن علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كانوا بمعزل عن الثورة التحريرية المباركة. ويوضح الشيخ أن الجمعية بقيادة الإمامين عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي رحمهما الله تعالى، كانت هي الحاضنة الفكرية والروحية والتربوية والتعليمية التي هيأت الشعب الجزائري لخوض غمار الكفاح المسلح. فمن خلال الشعار الخالد الذي رفعه ابن باديس: "شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب"، حاربت الجمعية سياسات المسخ العقدي والفرنسة اللغوية والجهل والتجهيل الممنهج التي اتبعها المستعمر لأكثر من قرن لسلخ الجزائريين من دينهم وهويتهم. وعندما انطلقت رصاصات نوفمبر الأولى، وجدت شعباً مهيأً نفسياً وعقائدياً، موحد العقيدة، مستوعباً لمفهوم الجهاد الشرعي في سبيل الله، ومدركاً لهويته الإسلامية والعربية الأصيلة. فلم تكن الثورة حركة عشوائية بلا رأس أو عقيدة، بل كانت ثمرة مباركة لسنوات من التعليم والتربية والإصلاح التي قادها العلماء الربانيون في المساجد والمدارس الحرة. إن الدفاع عن منهج الجمعية وبيان أثرها البالغ في تحرير النفوس قبل العقول هو رد حاسم على كل مشكك يبتغي فصل الثورة عن امتدادها الإسلامي الإصلاحي، وتأكيد على أن صلاح الأوطان وتحررها لا يتم إلا بالرجوع إلى الدين الصحيح والعقيدة السلفية النقية والتمسك بمقومات الأمة. لقد أدركت الجمعية منذ البداية أن مواجهة المستعمر بالسلاح دون إعداد عقدي وتربوي للشعب لن يثمر الاستقلال الحقيقي، فبذل رجالاتها الغالي والنفيس لتأسيس المدارس ونشر التوحيد ومحاربة البدع والخرافات التي استغلها المستعمر لتنويم الأمة. وبذلك، فإن الجمعية هي التي صاغت العقل الجزائري المقاوم، وجعلت من الجهاد ذروة سنام الإسلام عقيدة راسخة في وجدان كل ثائر ومجاهد، فرحم الله أولئك العلماء الأجلاء وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
الفصل السابع: موقف الإمام البشير الإبراهيمي من الاحتفال بمئوية الاستعمار
ينقل الشيخ حفظه الله درة تاريخية ثمينة تسطر المواقف البطولية لعلماء الجزائر الأحرار في أحلك الظروف وأصعبها، متحدثاً عن موقف الإمام العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى إبان احتفال فرنسا بمئوية احتلال الجزائر في عام 1930م. ففي الوقت الذي كانت فيه سلطات الاحتلال تقيم المهرجانات الضخمة وتتباهى بإنجازاتها الاستعمارية وتظن واهمة أنها قضت كلياً على هوية البلاد ورسخت وجودها الأبدي، وفي ظل غفلة بعض الدهماء والمغفلين ومشاركتهم في تلك المحافل الاستعمارية، وقفت فئة قليلة من العلماء والتلاميذ الأحرار بقيادة الإبراهيمي بالمرصاد لهذه الاحتفالات. حيث أطلقوا حملة توعوية ودعوية مضادة وقوية تبث في الأمة بغض هذه المناسبة ومقاطعتها، مذكرين الشعب بكلمات راقية تهز الوجدان وتوقظ الغافلين بأن: "هذا العيد هو عرس فرنسي في مأتمكم، وتذكير بقتلهم لآبائكم، وبكل ما صاحب الاحتلال من انتزاع لأرضكم وانتهاك لعرضكم، وهو إشهاد للأمم على قهركم وإذلالكم، وتسجيل عليكم بذلك". وقد آتت هذه الكلمات القوية والبيانات الصادقة أكلها فامتلأت نفوس الجزائريين غضباً وحنقاً على المستعمر وتجددت فيهم العزة والكرامة بعد أن طال عليهم الأمد وقست قلوبهم وظنوا أن لا خلاص لهم. ويستنهض الشيخ حفظه الله بهذه الواقعة همم المعاصرين، متسائلاً بمرارة: إذا كان الإبراهيمي رحمه الله يجهر بهذا الحق ويحرض الأمة في عز غطرسة الاستعمار وقوته وجبروته، فكيف يجوز لنا اليوم أن نضعف أو نغفل عن كيد فرنسا ونحن نعيش في ظل الاستقلال والسيادة والقوة؟ إن هذا الموقف التاريخي يثبت أن الكلمة الصادقة الصادرة من قلوب مؤمنة بنصر الله قادرة على هدم أعتى الإمبراطوريات ودحض مشاريعها الاستعمارية. فالإبراهيمي وإخوانه واجهوا الترسانة الفرنسية بالوعي والبيان، وأحيوا جمرة الغيرة التي كادت أن تنطفئ في قلوب العامة. وإننا اليوم أحوج ما نكون إلى استلهام هذا الموقف البطولي لمواجهة محاولات الغزو الثقافي والفكري المعاصر الذي يستهدف طمس ذاكرتنا وتشويه تضحيات آبائنا.
الفصل الثامن: شهادات الثكلى والتعذيب: الآلام التي لا يمحوها الزمن
يسلط الشيخ حفظه الله تعالى الضوء في هذا الفصل على الجانب الإنساني المأساوي المتمثل في فظائع التعذيب والجرائم اللاإنسانية التي مارسها جيش الاحتلال الفرنسي ضد أبناء الشعب الجزائري، مستنداً إلى شهادات حية لمجاهدين ومجاهدات عاصروا تلك الحقبة السوداء. ويذكر الشيخ ملاحظة دقيقة تفطر القلوب وتظهر وحشية هذا العدو؛ وهي أن المجاهدين كبار السن الذين بلغوا عتياً من العمر نادراً ما يبكون وهم يتحدثون عن المعارك العسكرية وحمل السلاح ومواجهة العدو في الميدان، لكن أولئك الذين ذاقوا ويلات التعذيب الجسدي والنفسي في سجون ومحتشدات فرنسا اللعينة لا يملك الواحد منهم نفسه من البكاء والنحيب بمجرد تذكر تلك الآلام الفظيعة والممارسات الوحشية. ويعرض الشيخ نموذجاً مؤثراً لجدة وأم طاعنة في السن تروي بدموعها وعلامات الألم لا تزال ترتسم على وجهها الضعيف ما عانته في سجون فرنسا من صنوف التعذيب التي تفوق الخيال البشري، حيث انتُزع منها طفلها الرضيع وعُذبت عذاباً نكراً يندى له جبين الإنسانية. ويعقب الشيخ حفظه الله على هذه المشاهد الأليمة بتذكير القلوب الغافلة بعين الله التي لا تنام وعذابه المتربص بالظالمين، مستشهداً بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (إبراهيم: 42). ويؤكد الشيخ أن هذه الجرائم البشعة لا تسقط بالتقادم ولا تمحوها السنون، وأن القصاص العدل سيكون بين يدي رب المظالم يوم القيامة لقوله عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47). إن هذه الآلام المستمرة والدموع التي تجف في عيون الثكلى هي شهادة حية على طبيعة المستعمر الفرنسي الغاشم، وتكذيب صارخ لكل من يحاول تجميل صورته أو إظهاره بمظهر الدولة الحامية لحقوق الإنسان. فالإنسانية عند فرنسا كانت ولا تزال شعارات جوفاء تُداس تحت أقدام عساكرها وجلاديها كلما تعارضت مع مصالحها الاستعمارية الخبيثة.
الفصل التاسع: اعترافات فرنسا المعاصرة بجرائمها التاريخية: كشف أكذوبة انتحار القادة
يتناول الشيخ حفظه الله بالتحليل والدراسة دلالات الاعترافات المتأخرة والجزئية التي أطلقها الرؤساء الفرنسيون، وعلى رأسهم إيمانويل ماكرون، بشأن تصفية واغتيال بعض قادة ورموز الثورة الجزائرية بعد عقود طويلة من الكذب والتضليل والمغالطات الرسمية. ويضرب الشيخ مثالاً برمز الثورة البطل العربي بن مهيدي رحمه الله تعالى، الذي كانت الرواية الرسمية الفرنسية تزعم كذباً وتدليساً طيلة عقود أنه انتحر في زنزانته عام 1957م، حتى جاء الاعتراف الفرنسي الرسمي مؤخراً بأن عسكريين فرنسيين هم من قاموا بتصفيته وشنقه بأمر مباشر من قيادتهم العسكرية، مصدقاً لما أقر به الجنرال السفاح بول أوساريس في مذكراته عام 2001م. وكذلك الشأن مع المحامي والمجاهد البطل علي بومنجل رحمه الله، الذي ادعت فرنسا لعقود أنه انتحر بإلقاء نفسه من الشرفة، ليعترف الإليزيه بضغط من الحقائق التاريخية وتعرضه للتعذيب الوحشي والقتل العمد على أيدي الجيش الفرنسي. ويؤكد الشيخ حفظه الله أن هذه الاعترافات المتأخرة ليست منة أو كرماً من فرنسا، بل هي إدانة دامغة تقيم الحجة عليها أمام العالم وتكشف وجهها القبيح المجرم، وتثبت زيف التاريخ الذي كانت تمليه وتدونه للتعمية على فظائعها وسلوكياتها البربرية التي تنافي أبسط قيم الإنسانية؛ مما يستوجب من الجزائريين عدم الوثوق بروايات هذا العدو أبداً والتمسك بكتابة تاريخهم بأيديهم الحرة. إن هذه الاعترافات تكشف كيف تعمل الآلة الاستعمارية على طمس معالم الجريمة وتحويل القتلة إلى أبطال والضحايا إلى منتحرين. وهي تدل دلالة واضحة على أن فرنسا تدرك حجم جرمها الأخلاقي والتاريخي، لكنها تحاول عبر هذه الاعترافات المقطرة امتصاص الغضب وتجنب التبعات القانونية والمادية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها في الجزائر. فالواجب هو استغلال هذه الاعترافات لإدانة المحتل ومطالبته بالتعويض والاعتذار الكامل غير المشروط.
الفصل العاشر: قضية موريس أودان: عندما تقتل فرنسا حلفاء الاستقلال وتتهم العرب
يكشف الشيخ حفظه الله في هذا الفصل عن قضية بالغة الأهمية تكشف خبث المستعمر الفرنسي ومكره ودناءة وسائله، وهي قضية أستاذ الرياضيات الفرنسي موريس أودان الذي كان مناصراً لاستقلال الجزائر وعضواً في الحزب الشيوعي الجزائري. فقد قامت السلطات الفرنسية باعتقاله عام 1957م وتعذيبه حتى الموت وهو في ريعان شبابه (خمسة وعشرون عاماً)، وادعت كذباً وزوراً أنه فر من معتقله ولم يعرفوا مصيره. ولم تعترف الدولة الفرنسية رسمياً بجريمتها وتطلب الصفح من أرملته إلا بعد مرور أكثر من ستين عاماً بضغط من الحقائق التاريخية والوثائق الدامغة. ويسلط الشيخ الضوء على الاعتراف الخطير للجنرال الفرنسي السفاح بول أوساريس الذي أقر بأنه هو من أصدر الأوامر بقتل موريس أودان، قائلاً بملء فيه وبكل وقاحة: "قتلناه طعناً بسكين كي يتم الاعتقاد أن العرب هم من قتلوه!". ويبين الشيخ من خلال هذه الجريمة النكراء كيف كانت فرنسا تحيك المؤامرات القذرة وتقتل حتى بني جلدتها الموالين للحق، ثم تلفق التهم وتلصقها بالجزائريين لتشويه سمعة الثورة وإشعال الفتن الداخلية وتشويه صورة المجاهدين أمام الرأي العام الدولي. وهذا يستوجب من أبناء الجزائر قاطبة الحذر الشديد من الدسائس الفرنسية التاريخية والمعاصرة التي تسعى دوماً لزرع الشقاق وتزييف الحقائق واستخدام شتى الأساليب القذرة للوصول إلى مآربها الخبيثة. إن قصة موريس أودان تعكس العقلية الميكافيلية للمستعمر الفرنسي الذي لا يقيم وزناً للقيم الإنسانية ولا للروابط القومية عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على سيطرته الاستعمارية. إن استخدام الطعن بالسكين لاتهام العرب يوضح مدى مكرهم في إدارة الحروب النفسية والإعلامية. ولذلك فإن دراسة هذه القضايا تكسب شبابنا حصانة فكرية ضد المؤامرات الإعلامية الحديثة التي لا تزال تستخدم نفس الأساليب لتقسيم المجتمع وتشويه المدافعين عن هوية الأمة.
الفصل الحادي عشر: وجوب حراسة الذاكرة التاريخية وغرس عقيدة كره المستعمر في الناشئة
يختم الشيخ حفظه الله تعالى هذا المبحث الهام ببيان المسؤولية العظمى الملقاة على عاتق الآباء والمعلمين والمصلحين والدعاة في حراسة الذاكرة التاريخية للبلاد وحمايتها من التحريف والنسيان والاندثار. فالكثير من الحقائق التاريخية قد طالها التزييف المتعمد بسبب السموم التي نفثتها فرنسا في كتب التاريخ والمذكرات التي كتبها عملاؤها أو تأثر بها بعض أبناء جلدتنا للأسف الشديد. ويرى الشيخ أن مواجهة هذا التزييف الممنهج تتطلب عملاً علمياً وتاريخياً ضخماً وجهداً متواصلاً لبيان الحقائق بالوثائق التاريخية الموثقة. والواجب الشرعي والتربوي يفرض علينا أن نربي أبناءنا وناشئتنا على معرفة تاريخهم الحقيقي، وغرس عقيدة بغض الاستعمار الفرنسي في قلوبهم، وتعرية الجرائم والمجازر البشعة التي ارتكبها هذا العدو الخارجي في حق أجدادهم حتى لا يقعوا في فخ الانبهار بفرنسا أو الحنين إلى عهدها المظلم المباد. إن حب الوطن والدفاع عنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوعي الأجيال بتاريخها وعقيدتها وثوابتها الأصيلة، والسكوت عن تبيان هذه الحقائق وغرسها في نفوس الناشئة هو تفريط ظاهر في أمن البلاد ومستقبلها، وتعريض لهوية الأمة للذوبان في مستنقع التغريب والتبعية الثقافية لعدوها التاريخي الأول. إن الأمة التي تنسى تاريخها تفقد هويتها وتصبح لقمة سائغة لأعدائها. فالأجيال الجديدة التي لم تعايش ويلات الاستعمار قد تنخدع بالمظاهر البراقة والشعارات الزائفة لفرنسا المعاصرة، ما لم تجد بيئة تربوية وأسرية تذكرها بتضحيات الأجداد وآلام المعذبين. ولذا فإن إدراج جرائم فرنسا في المناهج التعليمية وتداولها في المجالس الأسرية والخطب المسجدية ليس من باب إثارة الأحقاد القديمة، بل هو حماية للأمن الفكري والعقدي للناشئة، وتحصين لهم ضد التبعية والانهزام النفسي أمام جلاد الأمس.
تنبيهات منهجية وقواعد سلفية
الضابط الأول: رد الشبهات والفتن الداخلية بالحقائق والرجوع إلى التاريخ
يجب تفنيد الأراجيف التي تبثها جماعات الفتنة والتهييج الخارجي (كجماعة زيطوط) ببيان الواقع التاريخي الثابت والجرائم الموثقة لفرنسا، وإدراك أن الطعن في مؤسسات الدولة وإسقاط هيبتها باسم النضال المزعوم هو مسلك هدام ومشبوه يخدم أهداف المستعمر الفرنسي بطريقة مباشرة.
الضابط الثاني: التفرقة الحاسمة بين السياسة الحزبية المبتدعة وواجب الدفاع عن الوطن
إن الدفاع عن الأرض والعقيدة والوطن هو واجب شرعي أصيل من صلب الدين، وتنزيل مقولة المحدث الألباني رحمه الله "من السياسة ترك السياسة" لتعطيل هذا الواجب أو التزام الصمت المطبق إزاء التهديدات والمكائد الخارجية هو تحريف للعلم الشرعي وتفريط في حياض بلاد المسلمين.
الضابط الثالث: فقه الحذر الشديد وعدم الركون للخصم التاريخي
الحذر واليقظة واجبان شرعاً وعقلاً تجاه الدولة التي احتلت البلاد وقتلت ملايين العباد لعقود طويلة (فرنسا اللعينة)، فلا يجوز الاغترار بسلامها المؤقت أو تصريحاتها الدبلوماسية، فالحزم يقتضي معاملة الخصم التاريخي بما يناسب مكره وعدم الأمن لغدره، عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين".
الضابط الرابع: وجوب قيام النخب والخطباء بواجب التوعية بالأخطار الكبرى
يجب على الخطباء والدعاة والوسائل الإعلامية رص الصفوف وترك إشعال الفتن الداخلية أو الخوض في مسائل فرعية تفرق الكلمة، وتوجيه طاقاتهم وجهودهم لمواجهة الحملات الإعلامية الأجنبية والمكائد الخارجية التي تستهدف عقيدة الشعب وهوية البلاد وأمنها واستقرارها.
القصص واللطائف التربوية
اللطيفة الأولى: مقولة بومدين في عيسى مسعودي وأثر الإعلام الصادق
كان صوت المجاهد الإذاعي عيسى مسعودي رحمه الله عبر أثير الإذاعة يمثل رعباً حقيقياً للمستعمر وباعثاً للأمل واليقين في قلوب المجاهدين المرابطين في الثغور، حتى اعتبره رئيس مجلس الثورة الراحل هواري بومدين رحمه الله بمثابة "نصف الثورة"، مما يبرز أهمية سلاح الكلمة المؤثرة والبيان الصادق في نصرة القضايا العادلة وحماية الأوطان.
اللطيفة الثانية: حملة الإمام البشير الإبراهيمي المضادة لمئوية الاحتلال
في عام 1930م، إبان غطرسة المستعمر الفرنسي واحتفاله بمئوية احتلال الجزائر وتظاهره بإبادة الهوية الوطنية، قاد الإمام البشير الإبراهيمي رحمه الله مع ثلة قليلة من طلابه حملة فكرية ودعوية مضادة واجهت تلك المهرجانات، وذكرت الشعب بأن فرح فرنسا هو مأتم للجزائر وتذكير بقتل الآباء ونهب الأرض، مما أحيى العزة والغيرة في قلوب الناس بعد غفلة طويلة.
اللطيفة الثالثة: اعتراف أوساريس بقتل موريس أودان وتلفيق الجريمة للعرب
يكشف اعتراف الجنرال الفرنسي بول أوساريس بقتل الناشط موريس أودان طعناً بالسكين لكي يُعتقد أن العرب هم من قتلوه، مدى مكر الآلة الاستعمارية وقدرتها الفائقة على تزييف الوقائع وتلفيق الجرائم بشيطنة الآخرين. وهي عبرة واقعية تفرض على شبابنا عدم الثقة بالروايات والتواريخ الفرنسية واليقظة حيال حملاتهم الإعلامية المعاصرة.
وصية ختامية
وفي ختام هذا الكتيب المبارك، نتوجه بنصيحة جامعة لكل مسلم غيور على دينه ووطنه، بأن يتقي الله تعالى في أمن بلاده واستقرارها، وأن يلتف حول ثوابته وعقيدته السلفية النقية التي كانت حصناً منيعاً لأجدادنا في وجه التغريب والفرنسة. إن صيانة الجزائر وحمايتها من كيد فرنسا اللعينة ليست مجرد شعار سياسي، بل هي أمانة شرعية وتاريخية سُقيت بدماء الملايين من الشهداء الأبرار. فعلينا جميعاً أن نكون حراساً على ثغور الوعي، متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، داعين إلى وحدة الكلمة ورص الصفوف، حذرين من الشائعات والأراجيف التي يروجها المرجفون في الداخل والخارج. ونسأل الله العلي القدير أن يحفظ بلادنا الجزائر وسائر بلاد المسلمين من كيد الكائدين ومكر الحاقدين، وأن يرحم شهداءنا الأبرار، ويجزي علماءنا الأجلاء خير الجزاء على ما قدموه في سبيل إعلاء كلمة الله وتوعية الأمة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المناقشات والتعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. شاركنا برأيك!
