عن أيّ قهوة تتحدّثون؟!
عن أيّ قهوة تتحدّثون؟!
وقفات مع فقه التسعير وواجب المواطنة في حماية استقرار الوطن
المقدمة المنهجية
الفصول والفوائد العلمية
الفصل الأول: تأصيل فقه المعاملات وحكم التسعير في الشريعة الإسلامية
إن الأصل المقرّر في فقه المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية المطهرة أن أسعار السلع والبضائع في الأسواق تُترك لتفاعل ناموس العرض والطلب والقوانين الطبيعية للتبادل التجاري، دون تدخل مباشر من السلطة العامة بالتسقيف أو التحديد الإجباري، ما دامت المعاملات تجري على وجه الأمانة والصدق والنصح والمنافسة الشريفة الخالية من الاحتكار والغش والخداع والمضاربة غير المشروعة التي تضر بمصالح العباد. وقد تجلى هذا الأصل الأصيل بوضوح في السنة النبوية الشريفة حين غلا السعر في المدينة النبوية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء الصحابة رضي الله عنهم إليه وقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فسرر لنا (أي حدد لنا أسعار السلع)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً هذا الأصل: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال" (رواه أبو داود والترمذي). غير أن هذا الأصل المقيد بانتفاء الضرر وعدم ظلم العباد قد يطرأ عليه عوارض استثنائية تخرجه عن مجراه الطبيعي، وذلك إذا استبد الجشع بنفوس فئة من التجار اللاهثين وراء الربح السريع، وعمدوا إلى تضييق الخناق على الرعية باحتكار أقواتهم أو التواطؤ على رفع الأسعار رفعاً فاحشاً يعجز عنه عامة الناس والفقراء في معاشهم اليومي. وفي مثل هذه الحالات الطارئة، قسّم جهابذة العلماء وفقهاء الإسلام التسعير إلى قسمين رئيسين يجب فهمهما جيداً: القسم الأول وهو التسعير الجائر المحرم، وهو الذي يُقصد به ظلم التاجر وإكراهه على البيع بثمن لا يرتضيه دون مصلحة شرعية راجحة أو ضرورة عامة ملحة، فهذا ظلم مبين يأباه العدل الإسلامي. والقسم الثاني وهو التسعير العادل الجائز، بل الذي قد يكون واجباً متعيناً على ولاة الأمور والجهات الوصية في الدولة إذا دعت الضرورة وظهر احتكار السلع أو التلاعب بالأسعار إضراراً بالناس وضيقاً على مساكينهم، فهذا التدخل السلطوي العادل يدخل في باب دفع الضرر العام بارتكاب الضرر الخاص، وهو من محاسن السياسة الشرعية التي ترعى مصالح الرعية وتمنع المفاسد وتجلب المصالح العامة، تحقيقاً لمقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ أموال العباد وصيانة أنفسهم من الهلاك والضياع.
الفصل الثاني: ظاهرة الاحتكار وجشع التجار وآثارها المدمرة على الفرد والمجتمع
تعتبر ظاهرة الاحتكار وجشع التجار من أعظم الكبائر الاقتصادية والمفاسد الأخلاقية التي تمحق البركة من الأموال والبيوع، وتورث الضغينة والأحقاد والتباغض في قلوب أفراد المجتمع المسلم. وقد جاءت الشريعة الإسلامية بالتحذير الشديد والوعيد الأكيد لفاعلها؛ إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال زاجراً ومعلماً: "لا يحتكر إلا خاطئ" (رواه مسلم). والخاطئ في لغة الشريعة المطهرة ليس هو المخطئ الذي يقع في الخطأ عن جهل أو دون قصد، بل هو الآثم المذنب الذي تعمد ارتكاب الجرم ومخالفة أمر الشارع وهو يعلم قبحه وحرمته. وتتجلى حقيقة الاحتكار في حبس السلع وحجبها عن التداول في الأسواق في أوقات تشتد فيها حاجة الناس الملحة إليها، طمعاً في رفع ثمنها وتحقيق أرباح فاحشة على حساب آلام الفقراء والمحتاجين ومعاناتهم اليومية. إن هذا المسلك الأناني المقيت يمثل هدماً صريحاً لأصل التراحم والأخوة الإيمانية والتعاون الاجتماعي الذي أمر الله به عباده المؤمنين، كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (رواه البخاري ومسلم). ولا ريب أن خطر الاحتكار لا يقف عند إضعاف القدرة الشرائية للفقراء فحسب، بل يمتد ليزعزع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدولة بأكملها، ويهيئ بيئة خصبة لإثارة الفتن والاضطرابات والقلائل التي يستغلها المتربصون بأمن واستقرار بلاد المسلمين من الأعداء الخارجيين وعملائهم في الداخل. ومن هنا وجب على المجتمع ككل الوقوف في وجه هذا المرض الفتاك، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه التكسب من آلام الجائعين والضعفاء.
الفصل الثالث: واجب ولاة الأمور في التدخل لضبط الأسواق وتحديد الأرباح
إن رعاية شؤون الأمة وصيانة أمنها المعيشي والغذائي من أوجب الواجبات المنوطة بولي الأمر والجهات الوصية في الدولة المسلمة، وذلك انطلاقاً من القاعدة الفقهية الكبرى المقررة عند أئمة التحقيق: (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة). فإذا طرأ على الأسواق خلل ظاهر وفوضى عارمة نتيجة جشع المضاربين وتلاعب أصحاب المصالح الخاصة بأقوات المواطنين الضرورية، وجب شرعاً على السلطة وأجهزتها التنفيذية التدخل الحازم لوضع حد لهذا العبث من خلال تسقيف الأسعار وتحديد نسب الأرباح التي يبيع بها التجار بضائعهم. ويجب أن يكون هذا التدخل قائماً على ميزان العدل والإنصاف المطلق، بحيث يضمن للتجار ربحاً عادلاً معقولاً لا يضر بتجارتهم ولا يعطل أعمالهم الاستثمارية، وفي ذات الوقت يحمي المستهلك البسيط والفقير العاجز من الاستغلال والغبن الفاحش الذي يفرضه أصحاب النفوس المريضة. إن قواعد السياسة الشرعية الرشيدة تبيح للحاكم تقييد المباحات وتحديد الأسعار في المواد الاستراتيجية والأساسية التي لا غنى للناس عنها في حياتهم، لدفع الضرر العام المترتب على الاحتكار والمضاربة بالضرر الخاص المتمثل في تقييد حرية التاجر الفرد. ومن هنا، فإن القرارات الأخيرة الصادرة عن الجهات الوصية في بلادنا الجزائر بتحديد أسعار بعض المواد الأساسية (كالقهوة وغيرها) هي قرارات شرعية تنظيمية واجبة النفاذ والامتثال، والالتزام بها يعد من صميم طاعة ولي الأمر في المعروف التي أمر بها الإسلام، وصورة من صور التضامن الاجتماعي وحفظ الاستقرار العام للبلاد، ولا يجوز التخلف عنها أو التحايل عليها بأي ذريعة كانت، لأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة لآحاد الناس.
الفصل الرابع: واجب التجار في زمن الأزمات والتحذير من التحايل وأكل السحت
يتوجه الخطاب في هذا الفصل بلهجة النصح المشفق والتحذير الشديد إلى فئة التجار عامة، وإلى أصحاب المقاهي خاصة الذين شملتهم الإجراءات الأخيرة بخصوص تحديد سعر القهوة عند ثلاثين ديناراً جزائرياً. إن الواجب الشرعي والأخلاقي الملقى على عاتق التاجر المسلم يقتضي منه المسارعة والالتزام التام بالتعليمات الصادرة عن الجهات الوصية في الدولة، حماية لأقوات إخوانه الفقراء وطلباً للبركة في رزقه الحلال، بدلاً من الجري وراء الجشع المادي الزائل. غير أنه يؤسفنا غاية الأسف ما نراه ونسمعه من تحايلات مخزية وأساليب كذب وخداع يلجأ إليها بعض أصحاب المقاهي والتجار للتهرب من تطبيق السعر المحدد، كأن يمتنعوا عن تقديم السلعة بالسعر القانوني أو يقللوا من جودتها وحجمها، أو يدّعوا عدم توفرها لإجبار الزبائن على الشراء بأسعار مرتفعة خلف الستار. إن هذه الممارسات الملتوية هي من قبيل الغش وأكل أموال الناس بالباطل، وهو سحت ممحوق البركة يورث غضب الجبار في الدنيا والآخرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً، إلا من اتقى الله وبر وصدق" (رواه الترمذي). إن على التاجر أن يستشعر رقابة الله عز وجل المطلع على السرائر قبل مراقبة أعوان التفتيش ولجان الرقابة، وأن يذكر سنوات الرخاء واليسر الطويلة التي حقق فيها مكاسب وأرباحاً وفيرة، فلا يليق به أن يضيق ذرعاً عند أول امتحان للبلاد أو يساهم في إرهاق كاهل المواطن البسيط، بل الواجب عليه أن يبدي المودة والرحمة بإخوانه ويقنع باليسير الحلال المبارك فيه.
الفصل الخامس: التواطؤ الاجتماعي مع الفساد وخطورة الكذب على لجان الرقابة
يكشف هذا الفصل عن خلل اجتماعي وسلوكي خطير تكرر رصده في الآونة الأخيرة بين بعض المواطنين، ويتمثل في تواطؤهم مع التجار المخالفين ضد لجان المراقبة والتفتيش التابعة للدولة. فمن المشاهد المستنكرة التي تدعو للتعجب أن يدخل الزبون إلى المقهى ويشتري كوب القهوة بخمسين ديناراً، فإذا حضرت لجنة التفتيش الرقابية وسألته عن السعر، كذب وادعى أنه اشتراه بثلاثين ديناراً تملقاً للتجار وتغطية على مخالفتهم الصريحة للقانون. إن هذا الصنيع يمثل خيانة للأمانة وشهادة زور محرمة بالكتاب والسنة، كما يمثل تعاطفاً غريباً مع الجلاد ضد مصلحة النفس والمجتمع والفقراء. إن المواطن بكذبه هذا يشارك في إفساد السوق وتمكين الجشعين من رقاب الضعفاء، ويسهم في إفشال الإجراءات الحكومية الهادفة لحماية قدرته الشرائية المحدودة. إن الإسلام يأمر بالصدق وإقامة الشهادة لله ولو كانت على النفس أو الوالدين والأقربين؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ﴾ (النساء: 135). إن الواجب الشرعي على كل مسلم أن يقف في صف الحق والعدل، وأن يعلم أن التعاون مع الفساد بالسكوت أو الكذب وتزوير الحقائق هو مشاركة صريحة في الإثم والعدوان، وأن مساعدة الدولة في ضبط الأسواق وحماية المال العام هي في حقيقتها حماية لنفسه ولأبنائه ولمستقبل بلده، وصمام أمان يمنع استغلال الضعفاء والمساكين. فالمؤمن الحق لا يداهن في الحق ولا يقبل بالضيم، بل يكون عوناً على الخير حرباً على الشر والفساد في المعاملات المالية.
الفصل السادس: فقه الأولويات وحفظ جبهة الوطن الداخلية من المؤامرات
تعيش بلادنا الحبيبة الجزائر في ظرف أمني وجيوسياسي حرج للغاية، حيث تكتنفها المخاطر والتهديدات الخارجية من كل حدب وصوب على طول حدودها البرية الشاسعة المترامية الأطراف. فالعدو الخارجي ممثلاً في الكيان الصهيوني المتربص بشرور كيده، وفرنسا الاستعمارية اللعينة التي تحقد على سيادتنا وتسعى لعرقلة مسيرتنا، فضلاً عن التنظيمات التخريبية في الداخل كعصابة الماك الانفصالية وجماعة رشاد الإرهابية، كلهم يتربصون الدوائر بالبلاد ويسعون لزعزعة استقرارها وبث الفتن والفرقة بين أبنائها. وفي ظل هذه التهديدات الكبرى التي تمس كيان الدولة، فإن فقه الأولويات الشرعية والسياسية يوجب على أفراد الشعب كافة أن يلتفوا حول ولاة أمورهم وجيشهم الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، وألا يشغلوهم بالقضايا الجانبية والمخالفات الاقتصادية الصغيرة التي يمكن تجاوزها بالصدق والأمانة والانضباط التلقائي من التجار والمواطنين. إنه لمن المخجل حقاً أن تستنفر أجهزة الدولة والرقابة الأمنية لملاحقة سعر كوب قهوة أو سلع مدعمة في المقاهي والمحلات، بينما يستوجب الأمر تفرغ القيادة العليا والجيش لحماية الحدود وتأمين الثغور وصد المؤامرات الكبرى المحدقة بالوطن. إن حماية الجبهة الداخلية تبدأ من تماسك أفراد المجتمع وامتثالهم الطوعي للقوانين المنظمة للمعاش، لكي يجد حماة الوطن المتسع من الوقت والجهد للوقوف في وجه الأعداء المتربصين وحفظ أمن واستقرار بلاد الشهداء، وإن أي إخلال بهذه الأولويات هو تقديم خدمة مجانية لأعداء الأمة المتربصين بها، فعلى كل جزائري غيور أن يستشعر هذه المسؤولية العظمى، وأن يكون جندياً في موقعه لحفظ استقرار وطنه وأمن مجتمعه.
الفصل السابع: سلاح التجويع والحصار الاقتصادي ودروس التاريخ العبرية
يستعرض هذا الفصل درساً تاريخياً وعبرة بليغة حول خطورة الحروب الاقتصادية وسلاح التجويع والتلاعب بقوت الشعوب، والذي يعتبر من أشد الأسلحة فتكاً بالدول والمجتمعات على مر العصور، حيث يسعى الأعداء من خلاله لكسر إرادة الشعوب وتفجير الجبهات الداخلية لإسقاط الدول دون الحاجة لمواجهات عسكرية مباشرة. ونحن نرى اليوم في عصرنا الحاضر بأم أعيننا ما يقع لإخواننا المستضعفين في غزة الأبية من حرب تجويع همجية وحصار خانق يراد به إخضاعهم وتصفية قضيتهم العادلة بتواطؤ وصمت دوليين مخزيين. وإذا تصفحنا صفحات التاريخ القريب والبعيد، نجد أمثلة مروعة على فظاعة هذا السلاح، مثل حصار زعيم النازية هتلر لمدينة لينينغراد الروسية في الحرب العالمية الثانية، والذي خلف وفاة ما يزيد عن مليون إنسان بسبب الجوع الحاد ونقص الأغذية الأساسية، وكذا ما اقترفته فرنسا الاستعمارية اللعينة إبان احتلالها للجزائر الحبيبة من سياسة الأرض المحروقة ومصادرة الأرزاق والأقوات لتجويع الشعب الجزائري وكسر شوكته ومقاومته الباسلة. إن الأعداء يدركون تماماً أن ضرب الاستقرار المعيشي والعبث بالأسعار في السلع الأساسية هما أسرع الطرق لإثارة الفوضى ودفع العامة للانتفاضة ضد دولتهم ومؤسساتهم الرسمية. ومن هنا تظهر الأهمية القصوى لقرارات تسقيف الأسعار ووجوب التزام التجار بها لإفشال مخططات الحصار والتجويع غير المباشر التي تحاك ضد الجزائر، وحماية السلم الاجتماعي من التصدع والانهيار، فالجوع كافر، والعبث بلقمة العيش هو مدخل الأعداء المفضل لبث الفتنة والخراب، مما يوجب اليقظة التامة والحذر من الاستهانة بهذه الأمور.
الفصل الثامن: فضل العمل الرقابي وسبيل احتساب الأجر للموظفين والعمال
يتوجه هذا الفصل برسالة توجيهية وتشجيعية هامة للموظفين والأعوان العاملين في لجان المراقبة وقمع الغش والمضاربة بوزارة التجارة والمديريات التابعة لها. إن عملكم هذا -أيها الإخوة- ليس مجرد وظيفة روتينية تؤدى للحصول على المرتب المالي الشهري فحسب، بل هو عبادة جليلة وجهاد في سبيل حماية المجتمع ودفع الظلم عن الفقراء والمساكين إذا اقترن بالنية الصالحة والاحتساب عند الله عز وجل. ونريد هنا دحض الشبهة السائدة والراسخة في أذهان بعض العامة التي تزعم أن الموظف لا يثاب على عمله الوظيفي لأنه يتقاضى عليه أجراً راتباً من الدولة؛ فإن المجاهدين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يأخذون من الغنائم والأعطيات من بيت المال، ومع ذلك فهم أعظم الناس أجراً لصدق نياتهم وجهادهم لنصرة الدين وحماية ثغور المسلمين. فإذا خرج الموظف الرقابي من بيته مستحضراً نية نصرة المستضعفين، ومحاربة الجشع والاحتكار والغش والتدليس في المعاملات، فإن خطاه تعد في سبيل الله تعالى وله الأجر العظيم والثواب الجزيل. إن الواجب الشرعي والمهني يقتضي من هؤلاء الموظفين اليقظة التامة والنزاهة المطلقة والصدق في أداء الأمانة، وألا ينتظروا صدور التعليمات الظرفية أو الحملات الموسمية ليتذكروا مهامهم الرقابية، بل يجب أن يكون رقيب الضمير والخوف من الله هو المحرك والدافع الأول لإتقان عملهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه البيهقي)، وبذلك يكونون حصناً مانعاً للاقتصاد الوطني وصمام أمان للطبقات الهشة في المجتمع.
الفصل التاسع: فقه الدعاء لولاة الأمور بالرفق وتأويل حديث الرفق بالرعية
لقد قررت الشريعة الإسلامية المطهرة واجبات متبادلة بين الحاكم والمحكوم، وحثت على الرفق والتراحم والتعاطف في تدبير شؤون الأمة ورعاية مصالحها. وفي صحيح مسلم، دعت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء العظيم المشهور: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به". ويبين هذا الحديث النبوي الشريف كيف أن سعي الحكام وولاة الأمور في التخفيف عن الرعية وتيسير معاشهم وحمايتهم من الغلاء الفاحش ومضاربات التجار الجشعين هو من أعظم القربات وأبواب الرفق التي تستوجب من الرعية الشكر والدعاء لهم بالتوفيق والسداد وصلاح المعاش والمعاد. وإن قرارات الدولة الجزائرية الأخيرة في تسقيف أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية كحليب الأطفال والقهوة والزيت وغيرها، وحماية قوت المواطن البسيط من الاستغلال، هي من صميم الرفق الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لفاعله بالرفق والتوفيق من الله عز وجل. فالواجب على الرعية الاعتراف بهذا الجميل والتعاون مع مؤسسات الدولة لإنجاح هذه القرارات وتطبيقها في الميدان، بدلاً من التقليل من شأنها أو معارضتها ونكران فضلها. إن بناء العلاقة بين الراعي والرعية على أساس الرفق والمحبة من جهة، والطاعة والتقدير والدعاء بالصلاح من جهة أخرى، هو الحصن المنيع الذي يحفظ كيان الأمة ويحقق البركة والنماء في أرزاقها ويمنع عنها كيد الأعداء والمتربصين بها الدوائر، فعلى الجميع أن يستشعروا هذه المعاني السامية وأن يبتعدوا عن التشكيك المستمر ونكران المعروف الذي لا يورث إلا الشقاق والضعف.
الفصل العاشر: تصحيح المفاهيم المغلوطة كعبارة (لا شكر على واجب) في الميزان الشرعي
شاعت على ألسنة الكثير من العامة في مجتمعاتنا عبارات ومصطلحات تخالف الهدي النبوي الشريف وتنافي الآداب الإسلامية المقررة في شكر المعروف وحسن الخلق، ومن أبرز هذه العبارات قولهم عند رؤية إنجاز أو عمل صالح تقوم به أجهزة الدولة أو الأفراد في خدمة المجتمع: (لا شكر على واجب). وهذه مقولة باطلة وفهم سقيم يتصادم مباشرة مع الحديث النبوي الشريف الذي رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس". فالواجب الشرعي والأخلاقي يحتم علينا شكر المحسن على إحسانه والثناء على صنيعه الطيب تشجيعاً له على الاستمرار في العطاء والخير، حتى وإن كان ما فعله من صميم واجبه العيني أو الوظيفي الموكل إليه؛ فالولد البار بوالديه يؤدي واجباً عينياً ومع ذلك يشكره والداه ويثنيان عليه تقديراً لبره وتأليفاً لقلبه، وكذلك الزوجة والزوج يتبادلان الشكر والثناء على أداء الواجبات الأسرية. وكذلك الأمر بالنسبة لجهود ولاة الأمور والأجهزة التنفيذية في ضبط الأسعار وتوفير السلع وحفظ الأمن; فشكرهم والاعتراف بفضل إجراءاتهم وحسن رعايتهم هو من باب الأدب الشرعي والإنصاف المأمور به في ديننا. إن بث روح التثبيط والنكران والجحود لا ينتج في المجتمع إلا الجفاء والتكاسل وضياع المروءات، بينما الشكر والتقدير يبعثان على التعاون والمزيد من البذل لصالح العام، والكلمة الطيبة صدقة تؤلف القلوب وتقوي اللحمة الوطنية، فكن -أيها المسلم- شاكراً للمعروف، مثنياً على الإحسان، ناشراً للإيجابية، نابذاً لخطاب التشكيك والخذلان.
الفصل الحادي عشر: واجب التبليغ عن المخالفين وتفكيك مغالطة (الوشاية)
يواجه المجتمع اليوم حاجزاً نفسياً واجتماعياً يعوق تطبيق القوانين وحماية الأسواق من الفساد الاقتصادي، ويتمثل هذا الحاجز في تسمية التبليغ عن المخالفين والمحتكرين بأسماء منفرة مثل (الوشاية) أو (التبصيص) أو (بيع الذمم للدولة) وغيرها من الأوصاف التي يروج لها المفسدون. وهذا من تزيين الشيطان لقلب الحقائق وتبرير المنكر؛ فالوشاية المحرمة شرعاً هي نقل الأحاديث بين الأحباء بغرض الإفساد والوقيعة ونشر البغضاء، أما التبليغ عن سرقة أقوات الفقراء واحتكار السلع الأساسية ومخالفة الأسعار الرسمية المحددة فهو واجب شرعي متحتم يدخل تحت باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2). إن الساكت عن الغش والمحتكر هو شريك له في الإثم والفساد، والتبليغ عن هؤلاء العابثين بالاقتصاد الوطني وحقوق المواطن البسيط هو حماية للمال العام والخاص ودفع للظلم والعدوان. إن استخدام الأرقام الخضراء والوسائل الرسمية التي وفرتها الدولة للتبليغ عن المتلاعبين بالأسعار هو من نصرة المظلوم وردع الظالم ومنعه من التمادي في طغيانه وبغيه، تطبيقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" (رواه البخاري)، فنصرة الظالم في هذا الموضع تكون بكفه ومنعه عن ظلمه وإفساده في الأرض وحماية أرزاق المسلمين، فلا تتردد -أيها المواطن الناصح- في القيام بهذا الواجب الشرعي والوطني، واعلم أن حماية مجتمعك من الغش والاحتكار هي عبادة تتقرب بها إلى ربك.
الفصل الثاني عشر: اليقظة الوطنية وفهم تداعيات قانون التعبئة في ظل التهديدات الراهنة
يختم هذا الكتاب فصوله بالتنبيه على قضية وطنية بالغة الخطورة والحساسية، وهي ضرورة فهم مغزى ودلالة تفعيل قانون التعبئة الوطني في بلادنا الجزائر في ظل التهديدات الأمنية والاستراتيجية الراهنة التي تحيط ببلدنا الحبيبة. إن تفعيل هذا القانون لا يأتي من فراغ أو ترف سياسي، بل هو مؤشر واضح وجلي على دقة المرحلة وحجم المؤامرات والمخاطر المحدقة بحدودنا الشاسعة والمترامية الأطراف، وهو ما يستدعي من كافة أفراد الشعب أعلى درجات اليقظة والمسؤولية والالتزام بالقوانين المنظمة للحياة الاقتصادية والاجتماعية. إن استقرار الأسواق وتوفر المواد الأساسية بأسعار معقولة هما الركيزتان الأساسيتان لصمود الجبهة الداخلية وتماسكها؛ فالجوع والاضطراب الاقتصادي هما البوابة المفضلة للأعداء لبث الفوضى وزعزعة الثقة بين المواطن ودولته وإحداث الانقسام الداخلي. لذلك، فإن الانضباط الاقتصادي وتطبيق قرارات تحديد الأسعار ومساندة الجهات الرقابية ليس خياراً ثانوياً أو نافلة، بل هو واجب وطني وشرعي مقدس للمحافظة على أمن واستقرار بلاد الشهداء وصيانة أرضها الطاهرة. إن تضافر الجهود والوقوف صفاً واحداً خلف القيادة ومؤسسات الدولة والجيش الوطني الشعبي في هذه الظروف الاستثنائية العصيبة هو السبيل الوحيد لإفشال مخططات الأعداء وحفظ أمن الجزائر وسيادتها، سائلين الله العلي القدير أن يديم على الجزائر نعمة الاستقرار والأمن والأمان، وأن يوفق ولاة أمورنا لما فيه صلاح العباد والبلاد، ولنعلم جميعاً أن قوة الوطن هي قوتنا، وضياعه -لا قدر الله- هو ضياع لمعاشنا وأمننا وأولادنا، فلنكن على قدر المسؤولية واليقظة.
تنبيهات منهجية وقواعد سلفية
القصص واللطائف التربوية
موقف المواطن الكاذب والتعاطف مع الجلاد
ذكر الشيخ حفظه الله واقعة عجيبة ومؤسفة تدل على خلل الوعي الاجتماعي، حيث تقوم لجان التفتيش بسؤال بعض المواطنين داخل المقاهي إن كانوا قد اشتروا كوب القهوة بالسعر المقنن (ثلاثين ديناراً)، فيكذب المواطنون ويحلفون أنهم اشتروه بالسعر المقنن حماية لصاحب المقهى، على الرغم من أنهم اشتروه بخمسين ديناراً قبل دقائق معدودة! وهذا يمثل صورة مؤلمة لتعاطف المظلوم مع جلاده ومشاركته في تضييق الخناق على نفسه وعلى إخوانه الفقراء.
سلاح التجويع وحصار لينينغراد التاريخي
ساق الشيخ حفظه الله عبرة تاريخية بليغة بالإشارة إلى حصار مدينة لينينغراد إبان الحرب العالمية الثانية من قِبل قوات هتلر النازية، والذي استمر لقرابة تسعمائة يوم وأدى لوفاة ما يزيد عن مليون إنسان جوعاً بسبب انقطاع الإمدادات الأساسية وتلاعب الأعداء بقوتهم. وبين الشيخ أن ضرب الجبهة الداخلية والتمكين لسلاح التجويع والتلاعب بالاقتصاد هو تكتيك خبيث يستعمله الأعداء (كما تفعل فرنسا اللعينة تاريخياً في الجزائر وكما يفعل الصهاينة اليوم في غزة) لإسقاط الأوطان وتفجير تماسكها الاجتماعي.
البر بالوالدين وقياس شكر ولي الأمر
ضرب الشيخ حفظه الله مثلاً توضيحياً رائعاً لتصحيح عبارة (لا شكر على واجب)؛ فذكر أن الابن إذا بر والديه وأحسن إليهما، فإنه يؤدي واجباً شرعياً عينياً متحتماً عليه، ومع ذلك فإن والداه يشكرانه ويثنيان عليه ويدعوان له لبره وإحسانه، فكذلك الجهات الوصية والدولة إذا قامت بواجباتها في رعاية الرعية وتوفير أقواتهم، فإنه يشكرون على ذلك ويثنى عليهم لترسيخ روح التضامن والمودة والاعتراف بالجميل.
وصية ختامية
وختاماً لهذا البحث العلمي والوعظي، نتوجه بنصيحة خالصة يمليها علينا الواجب الشرعي وحب الخير لهذه البلاد المباركة الجزائر؛ إن استقرار الوطن وصيانة أمنه الغذائي والاجتماعي ليس ترفاً أو مسؤولية ملقاة على جهة دون أخرى، بل هو أمانة عظمى مشتركة بين الحاكم والمحكوم، والتاجر والمستهلك. إن الواجب على تجارنا الأفاضل أن يتقوا الله في إخوانهم الفقراء، وأن يستحضروا النية الصالحة والصدق في معاملاتهم مبتعدين عن الجشع والتحايل، ومدركين أن البركة في القليل الحلال خير من الكثير الحرام ممحوق البركة. كما يجب على عامة المواطنين أن يكونوا سنداً وعوناً لدولتهم ومؤسساتهم الرقابية والأمنية، وأن يدركوا حجم المخاطر الخارجية والداخلية المحدقة بالوطن، والالتفاف حول الجيش الوطني الشعبي لتمكينه من التفرغ التام لحفظ ثغورنا الشاسعة. نسأل الله العلي القدير بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظ بلادنا الجزائر وسائر بلاد المسلمين من كيد الكائدين وعدوان المتربصين، وأن يوفق ولاة أمورنا لما يحبه ويرضاه، ويصلح شأن الرعية، ويديم علينا نعمة الإيمان والأمان والاستقرار والرخاء، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المناقشات والتعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. شاركنا برأيك!
