الرئيسة المقالات أهذا ظنّكم بربكم؟!
مفرغات مرئية نشر في: 5 أفريل 2025

أهذا ظنّكم بربكم؟!

كاتب المقال: الشيخ أبو معاذ محمد مرابط
إصدار علمي مستفيض

أهذا ظنّكم بربكم؟!

كلمة عاجلة في فقه الدعاء وحسن الظن بالله زمن المحن

فضيلة الشيخ: أبو معاذ محمد مرابط حفظه الله 7 شوال 1446 هـ الموافق لـ 5 أبريل 2025 م إدارة قناة الشيخ أبي معاذ محمد مرابط

مقدمة الكتاب

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 70-71). أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم إن أشد ما يفتك بالأمة في ساعات الكرب والفتن العظيمة، ليس هو تسلط الأعداء أو كثرة المصائب المادية وحصار الكافرين فحسب، بل هو زعزعة اليقين في القلوب وسوء الظن بالله رب العالمين، واضطراب الألسنة بالاعتراض والتسخط على أقدار الباري جل في علاه. وإن ما نسمعه اليوم من عبارات تتردد على الألسن والشبكات، تشكك في استجابة الله تبارك وتعالى لدعاء المستضعفين في فلسطين وغزة، لهي من أخطر آفات اللسان التي تهوي بصاحبها في المهالك والشقاء وتنزلق به إلى مسالك المرجفين وضعاف الإيمان. وهذه الكلمات العلمية التربوية المضمنة في هذا الكتيب هي صيحة نذير وتذكير بحق الله تبارك وتعالى على عباده في وجوب الرضا بأقدار الله وقضائه، وحسن الظن بحكمته البالغة، ولزوم الأدب مع جلاله سبحانه في السراء والضراء، سائلين الله تعالى أن يثبت قلوبنا على التوحيد والسنة، ويعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الفصول والفوائد العلمية

الفصل 1

الفصل الأول: التحذير من مقولة 'أمة المليار لم يستجب لها' وكشف خلفياتها النفسية والعقدية

يفتتح الشيخ المصنف حفظه الله تعالى كلمته الوعظية المنهجية بالتحذير الشديد من عبارة شاعت واستشرت في ألسن الناس ووسائل إعلامهم في هذه الأيام العصيبة، ألا وهي مقولة: "أمة المليار لم يستجب لها". ويبين الشيخ بأسلوب علمي رصين أن هذه المقولة ليست مجرد كلمة عابرة، بل هي لفظة تخفي خلفها داءً عقدياً عُضالاً، ألا وهو سوء الظن بالله رب العالمين تبارك وتعالى، والاعتراض المبطن على تدبيره وحكمته ومشيئته التي خضعت لها الأكوان. إن القول بأن الله لم يستجب للأمة التي تفوق المليار هو اتهام للرب سبحانه بإخلاف الوعد، وهو مناف لأصل التوحيد الذي يقوم على التسليم المطلق والانقياد التام لأمر الله الكوني والشرعي. فالواجب على العبد المسلم أن يتنبه لعواقب لفظه وأثر كلمته، وألا ينساق وراء العواطف الجياشة والمشاعر المضطربة التي قد توقعه في شراك الشرك الخفي أو قلة الأدب مع مقام الألوهية والربوبية. إن سوء الظن بالله هو من خصال الجاهلية التي ذمها الله في كتابه، وحذر منها رسوله صلى الله عليه وسلم، وتزداد خطورة هذا الأمر عندما يشاع في أوقات المحن والأزمات، حيث يترصد الشيطان بالقلوب ليقذف فيها بذور الشك والاضطراب. لذا، فإن من أوجب الواجبات العقدية في زمن الحروب والنوازل أن يثبت المؤمن على عقيدة أهل السنة والجماعة في الرضا بالقضاء خيره وشره، وأن يعلم أن تدبير الله لعباده خير من تدبيرهم لأنفسهم، وأن الحكمة الإلهية قد تخفى على العقول البشرية القاصرة التي لا تدرك من الواقع إلا ظاهره، بينما يحيط علم الله بكل شيء كلياً وجزئياً سبحانه وتعالى.

الفصل 2

الفصل الثاني: الأمر بالدعاء وضمان الإجابة في ضوء الوحيين

ينتقل الشيخ حفظه الله تعالى بعد ذلك لتقرير الأصل الشرعي العظيم الذي يجب أن يرجع إليه المسلمون، وهو عبادة الدعاء التي جعلها الشارع الحكيم صلة بين العبد وربه، وأمر بها في آيات محكمات ووعد عليها بالإجابة الصادقة التي لا يعتريها شك ولا ريب. ويستشهد الشيخ بقول رب العزة تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60). ففي هذه الآية العظيمة يقرن الله سبحانه وتعالى الأمر بالدعاء بوعد الاستجابة المقترن بالوعيد الشديد للمستكبرين عن هذه العبادة بالدخول في جهنم صاغرين ذليلين. ويوضح الشيخ أن الدعاء في المفهوم الإسلامي السلفي ليس مجرد طلب للمنافع الدنيوية أو كشف للمضار المادية فحسب، بل هو روح العبادة وذلها وانكسارها بين يدي الخالق تبارك وتعالى. فمن استكبر عن دعاء ربه، أو زعم أن دعاءه لا يستجاب، فقد تنكب الصراط المستقيم وسلك مسالك الخسران. إن المسلم الموحد يدعو ربه تذللاً وخضوعاً، ومحبة ورجاء، وهو موقن بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد، عالماً أن الله سبحانه غني كريم، يستحي أن يرفع العبد إليه يديه فيردهما صفراً خائبتين، ولكن مجيء الإجابة يكون بالصفة والوقت اللذين يختارهما الرب جل وعلا بعلمه الواسع ورحمته التامة، لا بما تهواه النفوس وتتمناه العقول القاصرة التي تستعجل الثمار قبل أوانها.

الفصل 3

الفصل الثالث: التأمل في أحوال المضطرين وإجابة الله لهم: غزة نموذجاً

يعالج الشيخ حفظه الله في هذا الفصل شبهة دقيقة ومؤلمة تتردد في صدور بعض الناس ويفصح عنها آخرون بغير علم، وهي المتعلقة بحال إخواننا المستضعفين في قطاع غزة، حيث يتساءل البعض: أليس أهل غزة مضطرين وقد نزل بهم من القتل والتهجير والجوع ما تنفطر له القلوب؟ فلماذا لم يستجب الله لهم ويدفع عنهم هذا البلاء والكرب العظيم؟ وهنا يقف الشيخ وقفة إيمانية عميقة مستحضراً قوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل: 62). ويبين أن الإجابة حاصلة يقيناً لأهل غزة، ولكن بصور وأشكال قد لا تدركها أبصار المتفرجين الذين يعاينون المشهد من بعيد. إن أهل غزة الصابرين المحتسبين هم أعلم الناس بربهم، يرفعون أكف الضراعة من تحت الركام ويقولون "حسبنا الله ونعم الوكيل" رضا وتسليماً. إن تثبيت قلوبهم على الإيمان في وجه النيران، ودفع الجزع والهلع عن نفوسهم، وصرف الفتن والردة عن عقيدتهم، لهي من أعظم صور الاستجابة وكشف السوء الحقيقي الذي هو كشف سوء العقيدة والقلب. لعل الله تعالى قد استجاب لدعائهم بكتابة الشهادة لأمواتهم، ورفع درجات أحيائهم، وإعدادهم لكرامة الجنة التي لا بؤس فيها ولا نصب. إن حصر الاستجابة في النصر المادي الفوري هو فهم قاصر ومحدود ينافي حكمة الله العظيمة في تسيير أقدار خلقه.

الفصل 4

الفصل الرابع: خطورة آفات اللسان وعظيم مغبتها في أوقات المحن

يفرد الشيخ حفظه الله تعالى هذا الفصل للتحذير من مغبة الكلمات التي يتفوه بها المرء دون إدراك لخطورتها ومآلاتها العقدية والشرعية، لا سيما في أزمنة الفتن والنوازل التي تضطرب فيها العواطف وتشتعل فيها المشاعر بالحمية والجزع. ويبين المصنف أن الكلمة قد تكون سبباً في نجاة العبد ورفع درجاته، وقد تكون سبباً في هلاكه وخلوده في النيران، مستنداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم" (رواه البخاري)، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم أنه قال: "تهوي به في نار جهنم سبعين خريفاً". إن زلات اللسان في القضاء والقدر والتعبير عن التشكك في حكمة الله والاعتراض على أقداره بعبارات مثل "لماذا يفعل الله هذا بإخواننا؟" أو "أين إجابة الدعاء؟" هي كلمات تورد المهالك وتنزع البركة من الأعمار والأعمال. فالواجب على المسلم في مثل هذه الأوقات الصعبة أن يلزم الصمت والذكر والدعاء الصادق، وأن يمنع قلمه ولسانه من الخوض فيما لا يعلم عاقبته، فإن الله تعالى يحصي الكلمات ويكتبها، ولن ينجو العبد من فتنة اللسان إلا بالاعتصام بالشرع وملازمة الأدب التام مع الخالق سبحانه وتعالى.

الفصل 5

الفصل الخامس: عبادة الله على حرف وحقيقة الفتنة والانقلاب

في هذا الفصل، يسلط الشيخ الضوء على آفة عقدية ومنهجية بالغة الخطورة، وهي عبادة الله تبارك وتعالى على شك واضطراب، وربط الإيمان والالتزام الشرعي بحصول النعم الدنيوية والمكاسب المادية العاجلة. ويستحضر الشيخ قوله جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: 11). ويبين أن هذا الصنف من الناس يربط علاقته بالله بمدى تحقق رغباته الشخصية، فإذا نزل به البلاء أو تأخرت عنه الإجابة أو حوصر بالشدائد، سارع إلى الشك والاعتراض والسخط، وربما انزعج قلبه وارتد عن دينه خاسراً لدنياه وأخراه. إن المؤمن الصادق، سلفي المعتقد والمنهج، يعبد الله في السراء والضراء، ويعلم أن البلاء والامتحان هو سنة الله الجارية في عباده لتمحيصهم وتصفية صفوفهم من المنافقين ومرضى القلوب. إن الثبات على الدين والتوحيد عند هجوم الكروب والشدائد هو المحك الحقيقي للإيمان الراسخ، والفرق بين من يعبد الله رغبة ورهبة وتسليماً، ومن يعبده طمعاً في دنيا عاجلة أو نصر لا يدرك كنه حكمته ووقت نزوله.

الفصل 6

الفصل السادس: الخسران المبين بين ضياع الدنيا وضياع العقيدة والدين

يصحح الشيخ حفظه الله تعالى في هذا الفصل مفهوماً مغلوطاً شاع بين كثير من معاصرينا، وهو قصر مفهوم الخسارة والخسران على الجوانب المادية الدنيوية كخسارة الأراضي، وهدم البيوت، وفقدان الأموال، وموت الأنفس في المعارك. ويبين أن الخسران الحقيقي والأكبر في ميزان الشرع المطهر هو خسران العقيدة والتوحيد والوقوع في سخط الرب جل في علاه والارتداد عن جادة الحق. ويشير إلى أن المصائب الدنيوية مهما عظمت وجلت فإنها فانية ومرتبطة بدار ممر لا دار مقر، أما الدين والتوحيد فهما رأس مال العبد الذي به نجاته وخلوده في جنات النعيم. إن من يُقتل تحت الأنقاض وهو ثابت على توحيده ناطق بالشهادتين، راض عن ربه ومحتسب لألمه، هو الفائز الأكبر والرابح الأعظم، لأن الله كتب له منازل الشهداء وهيأ له نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع. بينما الذي يسخط على القدر ويعترض على أحكام الله ويتفوه بكلمات الكفر والشك بسبب فوات حظ من حظوظ الدنيا، هو الخاسر الحقيقي الذي خسر الدنيا ببلائها وفقد الآخرة بسخطه، وذلك هو الخسران المبين والشر المستطير. فالواجب تعليق القلوب برأس مال الدين وصيانة التوحيد قبل كل شيء.

الفصل 7

الفصل السابع: حكمة المداولة وسنة الابتلاء وتمايز المؤمنين عن الكفار

يتناول هذا الفصل بالبحث والتحليل السنن الإلهية الجارية في مداولة الأيام بين الناس وتدافع الحق والباطل في هذه الدار الدنيا، مستنداً لقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 140). ويوضح الشيخ أن الألم والجراح والمصائب لا تكاد تفرق في ظاهرها الدنيوي بين المؤمن والكافر، فالكل يصيبه البلاء والقتل والجوع والشدة، ولكن الفارق العظيم والبون الشاسع يكمن في الباطن والعاقبة وفيما يرجوه المؤمن من ربه. إن المؤمن يتألم ويحتسب ألمه ويرجو من ربه الثواب والأجر الجزيل والجنة المقيمة، بينما الكافر يتألم ويتجرع الحسرة والندم دون رجاء لثواب ولا إيمان بمعاد، كما قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يرجُونَ﴾ (النساء: 104). إن مداولة الأيام بين النصر والهزيمة، والرخاء والشدة، هي غربلة ربانية للتمييز بين الصادقين والكاذبين، وتطهير لقلوب المؤمنين من الأدران، وتهيئة للأمة لكي تستحق نصر الله وتمكينه حين تتحقق شروط العبودية والاستسلام الكامل لأمره تبارك وتعالى.

الفصل 8

الفصل الثامن: منزلة الشهادة العظمى وتهيئة الله لأسبابها لعباده الأصفياء

يكشف الشيخ في هذا الفصل عن جانب مشرق وخفي من حِكم البلاء والمحن العظيمة التي تنزل بالمسلمين، ألا وهو اصطفاء الشهداء وإعداد أسباب نيل هذه المنزلة الرفيعة التي تليق بنفوس الأبرار الأوفياء. ويبين أن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعباده خيراً وكرامة، ابتلاهم بالشدائد وأفسح لهم سبل التضحية ليتخذ منهم شهداء، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾. إن مرتبة الشهادة هي ثالثة المراتب العليا بعد الأنبياء والصديقين، وهي درجة سامية لا تنال بالدعة والرفاهية والكسل، بل تنال بالصبر على النيران ومواجهة الأعداء والثبات على الدين حتى الممات. ويوضح المصنف أن الموت محتوم على كل حي، فكل نفس ذائقة الموت لا محالة، ولكن شتان بين من ينقضي أجله على سريره حتف أنفه، ومن يختاره الله تبارك وتعالى ليفيض دمه زكياً مقبلاً غير مدبر في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه. فالشهيد حي عند ربه يرزق، فرح بما أتاه الله من فضله، آمناً من الفزع الأكبر، وهي عاقبة لو كُشف للناس عنها لغبطوا الشهداء عليها وتسابقوا لنيلها، مما يوجب على المسلمين الرضا والاستبشار بمن اصطفاهم الله من إخوانهم وأهلهم.

الفصل 9

الفصل التاسع: الإيمان بالقضاء والقدر وعلاقته الوثيقة بحسن الأدب مع رب العالمين

يقرر الشيخ في هذا الفصل أصلاً عظيماً من أصول العقيدة الإسلامية السليمة، وهو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره وحلوه ومره، ويربطه بوجوب التأدب التام مع مقام الربوبية وجلال الألوهية. ويشير إلى ضيق أفق الإنسان وجهله بمآلات الأمور وعواقب الأحداث، مقابل علم الله المحيط الواسع ورحمته التامة، مستنداً لقول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216). ويضرب الشيخ مثلاً رائعاً وواقعياً بالعبد الضعيف الذي يتصرف في شؤونه وأسرته وتجارته تصرفات قد تبدو غريبة ومحيرة لمن حوله، وإذا سئل عنها قال باستكبار وثقة "أنا أعلم ما أفعل"، معتمداً على عقله الضعيف وقدراته المحدودة، ويتقبل الناس منه ذلك ويسلمون له. فكيف يجرأ هذا الإنسان الضعيف الفاني على الاعتراض على أفعال وأقدار أحكم الحاكمين ورب العالمين وخالق السموات والأرض الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟ إن الأدب مع الله يقتضي الرضا بأقداره، والتسليم لحكمته البالغة، واليقين بأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن تدبير الله خير للعبد من تدبيره لنفسه.

الفصل 10

الفصل العاشر: آفة الاستعجال في الدعاء وقطع العبادة (الاستحسار)

يتناول الشيخ في هذا الفصل بالتفصيل آفة خطيرة من آفات السلوك والعبادة التي تصيب الداعين عند تأخر ظهور نتائج أدعيتهم، ألا وهي آفة الاستعجال والاستحسار في الدعاء. ويستشهد الشيخ بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل. قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء". ويوضح الشيخ أن الاستعجال في هذا السياق هو شكوى العبد من تأخر الإجابة وتعبيره عن ملله بقوله "دعوت ودعوت فلم يستجب لي"، مما يؤدي به إلى "الاستحسار" وهو التوقف والانقطاع والملل وترك الدعاء بالكلية. ويبين الشيخ أن ترك الدعاء بسبب الاستعجال هو عقوبة وحرمان عظيم، فالعبد بذلك يحرم نفسه من فضائل هذه العبادة العظيمة ويفوت على نفسه أجوراً هائلة. إن الواجب الشرعي يقتضي من المؤمن الإلحاح الدائم في الدعاء، والثبات عليه، واليقين التام بالإجابة دون تقييدها بزمن محدد أو كيفية معينة، بل يظل يلهج بالدعاء والرجاء حتى يلقى ربه وهو راض محتسب.

الفصل 11

الفصل الحادي عشر: أقسام استجابة الدعاء الثلاثة وفقه الإجابة الإلهية

يفصل الشيخ في هذا الفصل فقه إجابة الدعاء وصوره المتنوعة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، ليزيل اللبس عن أفهام الذين يظنون أن الدعاء لا يستجاب إلا بظهور النتيجة المادية العاجلة في الدنيا. ويستند الشيخ إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المروي في مسند الإمام أحمد وصححه العلامة الألباني رحمه الله، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذاً نكثر! قال: الله أكثر". ويشرح الشيخ هذه الأقسام الثلاثة مبيناً أن إجابة الدعاء متحققة لا محالة للمؤمن المستوفي لشروط الدعاء؛ فإما أن ينال مطلوبه عاجلاً بنصر وتمكين، أو يدخر الله له الأجر العظيم في الآخرة يوم تشتد الحاجة للحسنات والنجاة من النيران، أو يصرف عنه من البلاء والمصائب والشرور في بدنه وأهله ما لا يعلمه إلا الله. وبهذا الفقه يتبين أن الداعي رابح على كل حال، ومتقلب في نعم الله وأفضاله، مما يوجب الاستمرار والإكثار من الدعاء بيقين وثقة.

الفصل 12

الفصل الثاني عشر: الصبر واليقين بوعد الله والاقتداء ببيان الأنبياء والصحابة

يختم الشيخ حفظه الله تعالى فصول كلمته القيمة بالتأكيد على وجوب الصبر واليقين بوعد الله تبارك وتعالى بنصر دينه وعباده المؤمنين، داعياً إلى الاقتداء بالأنبياء والصحابة الكرام في فقه الصبر ومواجهة المحن. ويورد الشيخ قصة خباب بن الأرت رضي الله عنه حين جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فشكا إليه شدة العذاب واستبطأ النصر قائلاً "ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا"، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان محتمراً فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (رواه البخاري). كما يستعرض الشيخ قصة أصحاب الأخدود في سورة البروج ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، الذين أحرقوا بالنار جميعاً فكان ثباتهم على التوحيد حتى الممات هو الفوز الكبير والانتصار الحقيقي للحق. ويخلص الفصل إلى أن الواجب على الأمة القيام بواجب العبودية والدعاء وترك النتائج لله رب العالمين الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء شهيد.

تنبيهات منهجية وقواعد سلفية

القصص واللطائف التربوية

وصية ختامية

مشاركة المادة:

المناقشات والتعليقات (0)

يجب عليك تسجيل الدخول للمشاركة وإضافة التعليقات.

لا توجد تعليقات بعد. شاركنا برأيك!

M
منصة الشيخ مرابط العقيدة والمنهج السلفي

منصة دعوية علمية تعنى بنشر تراث الشيخ أبي معاذ محمد مرابط حفظه الله، وتسهيل الوصول إلى دروسه ومحاضراته ومقالاته العلمية على منهج أهل السنة والجماعة.

تواصل معنا والشبكات

الجزائر العاصمة، الجزائر
© 2026 جميع الحقوق محفوظة لمنصة الشيخ محمد مرابط.
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية