تنبيه الفلاحين على أمر خطير!
تنبيه الفلاحين على أمر خطير!
حول خطر الأحواض المائية المفتوحة في المزارع والرفق بالحيوان
مقدمة (خطبة الحاجة)
الفصول والفوائد العلمية
الفصل الأول: عظم أمانة المسؤولية عند أصحاب المزارع والضيعات
إن أصحاب المزارع والضيعات الفلاحية الكبرى، وبخاصة تلك التي تقع في بطون الأودية والصحاري المقفرة والمناطق الخالية الشاسعة، يتحملون في واقع الأمر أمانة شرعية ومسؤولية أخلاقية بالغة الأهمية وعظيمة الخطر. فملكيتهم لهذه المزارع وتصرفهم فيها لا ينفك بحال من الأحوال عن ضوابط الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكلية، التي تقرر أن العبد مستخلف فيما خوله الله من نعم وممتلكات، وأنه محاسب على ما يصدر عنه من تفريط أو إهمال يلحق الضرر بالنفس المحترمة أو البهائم العجماء التي لا ناطق لها يشتكي ولا يد لها تدفع الأذى. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته" (رواه البخاري ومسلم). وإن من التقصير الملاحظ لدى طائفة من الفلاحين عدم إدراكهم بأن نطاق المسؤولية يتسع ليشمل كل روح ترد على أرضهم أو تقترب من منشآتهم الفلاحية. فالشريعة المطهرة قد جعلت الإحسان غاية عامة في كل شيء، وحرمت الإضرار بشتى صوره، مما يوجب على الفلاح أن يكون عيناً ساهرة على سلامة محيطه، متفقداً لمزارعه وآباره وأحواضه، لئلا تتحول ممتلكاته التي هي سبب لرزقه إلى فخاخ مميتة تهلك فيها الكائنات التي تسعى في أرض الله بحثاً عن مقومات حياتها. إن التفريط في هذا الباب ليس مجرد هفوة دنيوية، بل هو إخلال بعهد الاستخلاف وموجب للمساءلة بين يدي الله يوم القيامة، مما يفرض على المزارع المؤمن أن يقيس تصرفاته بميزان التقوى والورع والشفقة على خلق الله أجمعين.
الفصل الثاني: خطر الأحواض المائية المفتوحة وتصميمها المهلك للدواب
تشهد البيئات الفلاحية في الآونة الأخيرة انتشاراً واسعاً للأحواض المائية الكبيرة، والتي تشيد لتخزين المياه بغرض السقي وتأمين الاحتياجات الزراعية، غير أن الكثير منها يُترك مفتوحاً بغير تسييج ولا حماية، مما يجعلها تشكل خطراً داهماً ومصيدة مهلكة للحيوانات والدواب. وتكمن الخطورة البالغة لهذه الأحواض في هندسة بنائها وتصميمها الفني؛ إذ تبنى في الغالب بجدران ملساء شاهقة الانحدار، وتكسى بمواد بلاستيكية عازلة تمنع تسرب المياه (كالجيوممبرين) أو تبنى بالخرسانة الإسمنتية الناعمة، وهو ما يجعل صعود الحيوان بعد سقوطه فيها أمراً شبه مستحيل. فالحيوان المسكين بمجرد أن تنزلق قدماه في هذا الحوض يجد نفسه في عمق مائي لا قرار له بالنسبة لحجمه، وتمنعه نعومة الجدران وشدة ميلها من التشبث أو تسلق الحافة للنجاة، فيظل يسبح في حلقات مفرغة يصارع الموت ويستنجد بالخروج، حتى تكل قواه ويهلك غرقاً تحت وطأة التعب والجهد. إن هذا الهلاك البطيء يمثل صورة من أبشع صور التعذيب التي قد تقع في مزارع المسلمين نتيجة الغفلة والتقصير. والواجب الفقهي يقتضي درك هذا الخطر وتصوره قبل وقوع الكارثة، والوعي بأن ترك هذه البنية التحتية الفلاحية دون سياج يمنع الوصول أو وسائل تضمن الخروج للحيوانات الساقطة، هو تهاون لا يليق بمسلم يرجو رحمة ربه ويخاف عقابه، ولا سيما في تلك الفيافي والقفار التي تفتقر لأبسط مقومات النجاة الطبيعية.
الفصل الثالث: دافع العطش القهري في الرمضاء وهجوم الدواب على المزارع
يعتبر الظمأ والعطش الشديد في بيئات البراري والقفار الصحراوية من أشد الدوافع الغريزية التي تلجئ الدواب والحيوانات من قطط وكلاب وطيور وزواحف إلى المخاطرة بأنفسها في سبيل الحصول على شربة ماء تطفئ لهيب أحشائها. ففي أيام الصيف الملتهبة وحر الشمس اللافح، تجف الغدران والعيون الطبيعية في الصحاري، وتضيق سبل العيش على هذه البهائم المسكينة، فلا تجد ملاذاً تتوجه إليه إلا المزارع والضيعات الفلاحية التي تستشعر رطوبتها ووجود الماء فيها من مسافات بعيدة. وحين تقبل هذه الحيوانات العطشى مدفوعة بدافع البقاء والبحث عن قطرة ماء، فإنها لا تبحث عن الأحواض الكبيرة رغبة في العبث، وإنما يدفعها الاضطرار والجهد الشديد الذي بلغ منها مبلغه، فلا تجد مكاناً تروي فيه عطشها سوى تلك الأحواض المائية الواسعة. ولعدم تمييزها للمخاطر الناجمة عن عمق الحوض ونعومة جدرانه، تقترب من الحافة متلهفة للماء، فما يكون إلا أن تنزلق أقدامها وتسقط في غياباته. إن هذا الدافع القهري يلغي في نفس الحيوان غريزة الحذر من الإنسان أو من المخاطر المحيطة بالحوض, مما يجعله يرمي بنفسه في هذا التهلكة دون إدراك لعاقبة أمره. ومن هنا يتأكد دور الفلاح في استيعاب هذه الغريزة والرحمة بالدواب المضطرة، والعمل على توفير بدائل آمنة تمنع الحيوان من الاضطرار لركوب هذه المهلكة للظفر بجرعة ماء، ليكون صنيعه هذا من أسباب دفع البلاء وجلب الرحمة والبركة لزرعه ونفسه.
الفصل الرابع: عجز البهائم عن الخروج من الحوض وفظاعة الموت غرقاً
إن المتأمل في حال البهائم والحيوانات عند سقوطها في تلك الأحواض المائية المفتوحة يدرك تماماً حجم المعاناة الشديدة والفاجعة الكبيرة التي تعيشها هذه الكائنات الضعيفة قبل هلاكها. فالحيوان كهرّ أو كلب أو ثعلب بري، حين يجد نفسه فجأة مغموراً بالمياه العميقة، يبدأ بمحاولة السباحة والبحث عن أي نتوء أو بروز في جدران الحوض ليتشبث بأظافره وقوائمه، ولكنه يصطدم بالسطح الأملس اللزج الذي لا يمنحه أي فرصة للثبات أو الارتقاء. هذا العجز المتكرر يورث الحيوان حالة من الذعر الشديد والاضطراب النفسي والبدني، فيظل يصارع الموت لساعات طويلة في صمت مطبق لا يسمعه فيه أحد، وفي بيئة قاحلة خالية لا مغيث فيها. وتتضاعف فظاعة هذا الموت عندما تدرك الحيوانات أن الماء الذي جاءت تطلبه لتبقي على حياتها قد صار هو نفسه سبب موتها وهلاكها غرقاً. إن جثث هذه الحيوانات التي يجدها المزارعون طافية بعد فوات الأوان هي شاهد صدق على فظاعة الإهمال وتفريط أصحاب المزارع. والشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ الضروريات الخمس وتكريم الروح قد حرمت تعذيب الحيوان وإزهاق روحه عبثاً أو تقصيراً. لذلك فإن سكوت المزارع عن معالجة هذه الثغرات القاتلة يعد مساهمة سلبية في هذا الجرم الشنيع، ويوجب عليه المسارعة لاتخاذ الإجراءات العملية التي تحول بين الحيوان وبين هذا الموت الفظيع الذي تهتز له القلوب الرحيمة وتستنكره الفطرة الإنسانية السليمة.
الفصل الخامس: وجوب تسييج الأحواض وتأمينها كفرض عيني لدرء المهالك
انطلاقاً من القواعد الفقهية الكلية والأدلة الشرعية التفصيلية، يتعين على أصحاب المزارع الكبيرة تسييج الأحواض المائية وتأمينها بشكل قاطع كواجب شرعي وفرض عملي لدرء المهالك وحفظ الأرواح. والتسييج المعتبر شرعاً وعرفاً هو الذي يحول دون وصول الحيوانات والبهائم إلى حافة الحوض المائي، ويتم ذلك بإقامة سياج حديدي متين أو جدار يطوق الحوض بالكامل، بارتفاع يمنع القفز أو التسلل. وفي حال تعذر التسييج الكامل لأسباب تقنية، فإن الواجب ينتقل إلى وضع وسائل نجاة ومخارج طوارئ داخل الحوض كعروق الخشب المائلة، أو حبال ليفية غليظة تتدلى في الماء، أو شبكات من البلاستيك السميك تثبت على الجدران الداخلية للحوض لتستعين بها الحيوانات الساقطة للتسلق والخروج إلى بر الأمان. إن اتخاذ هذه الأسباب الوقائية هو امتثال لأمر الله تعالى بترك الإفساد في الأرض والابتعاد عن مواطن الشبهات والتهلكة؛ فقد قال سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195). وتفريط أصحاب المزارع في تطبيق هذه الإجراءات الوقائية يضعهم تحت طائلة المسؤولية والتقصير المؤثم، حيث لا يعذر المرء بجهله أو انشغاله عن تفقد ملكه وتأمينه من أن يكون سبباً في هلاك الأنفس وإزهاق أرواح بريئة تبحث عن البقاء فحسب، بل يجب على كل فلاح محتسب أن يجعل تأمين أحواضه من أولى أولويات عمله الزراعي.
الفصل السادس: فضيلة سقاية البهائم ومشروع السقاية البديل في الضيعات
لقد جعلت الشريعة الإسلامية المطهرة سقاية الماء من أعظم القربات وأجل الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى؛ بل إنها الصدقة التي يتعدى نفعها ويدوم أثرها، لا سيما إذا وجهت للبهائم والحيوانات العجماء التي لا تملك القدرة على التعبير عن عطشها وحاجتها. ولكي يخرج أصحاب المزارع من دائرة التقصير ويدخلوا في زمرة المحسنين، ينبغي عليهم تطبيق مشروع السقاية البديل والآمن في ضيعاتهم. ويتمثل هذا المشروع في إنشاء حوض صغير منخفض بجوار الحوض الكبير، يتم ملؤه بانتظام بماء عذب ونظيف، ويخصص حصرياً لسقاية الدواب والطيور. هذا الحوض الصغير يمتاز بسهولة وروده وأمنه التام، حيث تستطيع البهائم الشرب منه دون خوف من السقوط أو الغرق. إن هذا الصنيع المبارك لا يكلف الفلاح مالاً كثيراً ولا وقتاً طويلاً، ولكنه يفتح له باباً عظيماً للرحمة ونيل الأجر الوافر؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في كل ذات كبد رطبة أجر" (متفق عليه). والاهتمام بسقاية هذه البهائم وتخصيص موارد مائية لها في المزارع يعكس عمق الإيمان والرحمة في قلب المسلم، ويجعل من مزرعته مكاناً مباركاً ترفرف عليه الطمأنينة والخير، وقد يكون هذا الحوض الصغير البسيط سبباً مباشراً في جلب الغيث والبركة لزروعه وثماره ودفع الآفات والشرور عن أهله وماله.
الفصل السابع: التحذير من الوعيد الشديد في تعذيب البهائم بالحبس والمنع
حذرت نصوص الوحي الشريف تحذيراً بالغ الشدة وعظيم الزجر من تعذيب البهائم وتجويعها أو منع الماء عنها حتى تهلك. وإن الوعيد الإلهي في هذا الباب لا يقتصر على التعذيب المباشر بالضرب أو القطع، بل يشمل الإهمال والمنع والحبس المفضي إلى الموت. فالذي يملك حوضاً مائياً يرى الحيوانات تسقط فيه وتموت عطشاً وغرقاً دون أن يتخذ سبباً للمنع أو السقاية، يدخل في وعيد من حبس نفساً بغير حق. ويجب على كل مزارع أن يخشى على نفسه أن يكون سبباً -وهو لا يشعر بغفلته وإهماله- في استحقاق غضب الله وعقابه ودخول النار. إن التهاون في أرواح هذه الدواب الضعيفة يعكس غلظة في القلب وقسوة في النفس تتنافى مع كمال الإيمان المأمور به؛ فالراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى. ويجب أن يستحضر العبد دائماً أن هذه البهائم خصم له بين يدي الله يوم القيامة إذا قصر في حقها أو تسبب في هلاكها، فتأتي وتشتكي لبارئها ما لاقته من ألم الظمأ والغرق في أحواض الفلاحين المقصرين. لذا وجب على كل مؤمن يقظ أن ينتبه لنفسه، ويطهر ممتلكاته من كل سبب يؤول بذي روح إلى الهلاك، مجتنباً مسالك الجفاء والقسوة، وحريصاً على أن تكون مزرعته واحة أمان ورحمة تفيض بالإحسان والرفق بالخلق أجمعين.
الفصل الثامن: تأصيل حديث المرأة التي عُذّبت في الهرّة وفوائده الفقهية
إن من أعظم الأحاديث التي تؤصل للرفق بالحيوان وتبين خطورة تعذيبه وحبسه حديث المرأة التي دخلت النار بسبب هرة. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه تحت "باب سقي الماء" وباب الرفق بالحيوان، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هي أطْعَمَتْها ولا سَقَتْها، إذْ حَبَسَتْها، ولا هي تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ" (رواه البخاري). وقد استنبط العلماء والفقهاء من هذا الحديث الشريف دلالات فقهية وتربوية جمة؛ منها أن ارتكاب المعاصي المتعلقة بحقوق المخلوقات -ولو كانت حيواناً محتقراً كالهرة- قد يوبق العبد ويكون سبباً كافياً لدخوله النار والعياذ بالله. وذكر العلماء أن وجه الجناية في فعل المرأة هو حبس الهرة وحرمانها من الماء والطعام وسد منافذ الحياة عليها مع عدم تركها تبحث عن رزقها في الأرض. وهذا يوضح بجلاء أن التفريط في توفير أسباب الحياة للدواب المملوكة أو التي تقع تحت يد الإنسان وتصرفه هو ذنب عظيم يستحق العقوبة. فإذا كان هذا العذاب الأليم قد حاق بامرأة بسبب هرة واحدة، فكيف يكون حال من يتسبب بإهماله وترك أحواضه المفتوحة في هلاك الكثير من القطط والكلاب والدواب دون مبالاة أو إصلاح؟ إن هذا الفقه الدقيق يوجب على المسلم الحذر التام ومراقبة الله في كل ما يقع تحت مسؤوليته.
الفصل التاسع: تأصيل حديث الرجل الذي سقى الكلب ودلالة شكر الله للعبد
يقدم لنا الهدي النبوي الشريف مثالاً رائعاً وعظيماً لعظم ثواب الرحمة بالحيوانات وسقايتها؛ وهو حديث الرجل الذي سقى الكلب فشكر الله له وغفر له. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له" (رواه البخاري ومسلم). وفي هذا الحديث دلالة واضحة على عظم منزلة الشفقة والرحمة بالخلق، وكيف أن عملاً يسيراً خالصاً لله كإنقاذ كلب من العطش يمكن أن يمحو كبائر الذنوب ويوجب الغفران الشامل. وقد بين العلماء أن قوله صلى الله عليه وسلم "فشكر الله له" يعني أن الله تعالى قبل عمله ورضي عنه، وأثنى عليه في الملأ الأعلى، وغفر له ذنوبه بسبب هذه السقاية. وهذا يوضح أن الإحسان إلى الحيوانات التي قد يراها البعض نجسة أو لا قيمة لها كالكلاب، هو باب عظيم من أبواب مغفرة الذنوب ودخول الجنة، مما يحث أصحاب المزارع على الاقتداء بهذا الصنيع المبارك وتأمين المياه للدواب، طمعاً في شكر الله ومغفرته ورضوانه.
الفصل العاشر: قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" وأثرها في صيانة الدواب والبيئة
تعتبر القاعدة الفقهية الكبرى "لا ضرر ولا ضرار" والتي رواها الإمام ابن ماجه وأحمد في مسنده، من القواعد الأساسية التي تبنى عليها أحكام التعامل مع البيئة والحيوانات في الإسلام. ومقتضى هذه القاعدة أنه يحرم على المسلم إحداث أي ضرر ابتداءً، كما يحرم عليه مقابلة الضرر بالضرر أو الاستمرار في وضع يلحق الأذى بالآخرين وبالمخلوقات. وتطبيق هذه القاعدة في واقع المزارع والضيعات يوجب فوراً إزالة كل ما من شأنه الإضرار بالدواب والحيوانات التي تعيش في المحيط أو ترد عليه. فالأحواض المائية المفتوحة التي تبتلع البهائم وتهلكها تمثل ضرراً بيناً وفساداً ظاهراً يجب شرعاً رفعه وإزالته إما بالتسييج أو بوضع مخارج آمنة. والتقاعس عن إصلاح هذا الوضع بعد العلم بضرره هو نوع من الرضا بالضرر والإقرار له، وهو ما تمنعه الشريعة الإسلامية جملة وتفصيلاً. كما أن هلاك هذه الدواب وتفسخ جثثها داخل المياه يؤدي إلى تلوث المياه وفسادها، مما يلحق الضرر بالإنسان نفسه وبالزروع التي تسقى من هذه الأحواض، وهو ضرر إضافي يضاعف الإثم والمسؤولية. إن المحافظة على سلامة الدواب وتأمين المنشآت الفلاحية يمثل صيانة حقيقية للبيئة وللثروة الحيوانية، وهو مظهر راقٍ من مظاهر حضارة الإسلام التي تقيم وزناً لكل ذي روح، وتسعى لنشر الخير والأمان في كل ربوع الأرض تلبية لأمر الباري جل وعلا.
الفصل الحادي عشر: احتساب الأجر في نفع الدواب والنجاة من النفاق والغلظة
إن من أعظم خصال الإيمان طهارة القلب من الغل والقسوة والجفاء، والاتصاف بالرحمة واللين مع الخلق أجمعين، وهو ما يتجلى في رعاية شؤون الدواب والرفق بالحيوان واحتساب الأجر عند الله في كل ما يقدمه المسلم لها من نفع وإحسان. إن المسلم المزارع الذي يبادر لتسييج أحواضه وتوفير سقايات آمنة للحيوانات إنما يفعل ذلك بدافع الإيمان واحتساب الأجر عند الله جل وعلا، معتقداً أن كل نفقة أو جهد يبذله في هذا السبيل لن يضيع عند رب لا يضل ولا ينسى. وفي المقابل، فإن الجفاء والقسوة تجاه هذه الكائنات العجماء وتركها تهلك دون مبالاة هو من علامات قسوة القلب وضيق الصدر، وهي خصال ذميمة حذر منها الإسلام أشد التحذير. إن احتساب الأجر في إطعام البهائم وسقيها والرفق بها يرفع درجات العبد ويمحو سيئاته، ويجعل عمله متعدي النفع مستمراً في حياته وبعد مماته. ويجب على المؤمن أن يدرك أن صلاحه وإحسانه لا يكتمل إلا بنشر الرحمة في محيطه، وأن يحرص على أن تكون تصرفاته كلها نابعة من وازع ديني صادق يرجو به ما عند الله من الثواب العظيم والدرجات العلى، حذراً من خصال الجفاء والغلظة التي تحرم العبد من فيض الرحمة الإلهية؛ فمن لا يَرحم لا يُرحم، والجزاء من جنس العمل.
تنبيهات منهجية وقواعد سلفية
الضابط الأول: قاعدة سد الذرائع ودفع أسباب الهلاك
المنهج الشرعي يوجب على المسلم اتخاذ كل الأسباب الوقائية والتدابير الاحترازية لمنع وقوع المفاسد وإزهاق الأرواح في ممتلكاته الخاصة، فتأمين الأحواض بالوسائل المتاحة من أوجب الواجبات الشرعية.
الضابط الثاني: وجوب تفقد الممتلكات والمنشآت دورياً
مسؤولية صاحب المزرعة لا تسقط بجهله أو عدم تعمده للضرر، بل يلزمه شرعاً تفقد منشآته كالأحواض والآبار بصفة دورية للتأكد من سلامتها وعدم تحولها إلى خطر دائم على الدواب والحيوانات.
الضابط الثالث: أفضلية النفع المتعدي في الصدقات
تقديم سقي الماء وإطعام الدواب والبهائم يقع في مقدمة الأعمال الصالحة والصدقات الجارية التي يتعدى نفعها ويدوم أثرها، وهي سبب عظيم لغفران الذنوب والخطايا ودخول الجنان.
الضابط الرابع: حرمة التسبب غير المباشر في إهلاك الأنفس
الشريعة الإسلامية تعاقب على التسبب في الهلاك والإهمال المفضي إلى الموت كما تعاقب على المباشرة والقتل العمد، وحديث المرأة التي عُذبت في الهرة بسبب حبسها أصل عظيم وقاطع في هذا الباب.
القصص واللطائف التربوية
لطيفة تربوية: ميزان الشفقة والرحمة بالخلق
ربط الشيخ حفظه الله بين موقف الرجل الذي سقى الكلب فغفر الله له، وبين ما يجب أن يكون عليه قلب المؤمن من رحمة وشفقة تجاه الحيوان الضعيف. إن نزول الرجل إلى البئر وملء خفه بالماء وحمله بفيه ليرتقي ويسقي الكلب هو درس عظيم في التضحية والرحمة التي تذيب قسوة القلوب وتجلب مغفرة علام الغيوب.
قصة من واقعنا: فظاعة الموت غرقاً في الأحواض المفتوحة
استحضر الشيخ حال الكثير من أصحاب المزارع الذين يجدون الحيوانات طافية على سطح أحواضهم بعد فوات الأوان. هذه الصورة الواقعية الأليمة التي تتكرر في أيام الحر تبرز الفارق الشاسع بين من يبادر بالتحصين والتسييج وبين من تأخذه الغفلة حتى يقع المحذور، مما يوجب الاعتبار والمسارعة للإصلاح.
وصية ختامية
وفي الختام، فإنني أتوجه بنصيحة مشفقة ووصية غالية لكل أخ كريم من أصحاب المزارع والضيعات: اتقوا الله في هذه البهائم العجماء، ولا تجعلوا مزارعكم التي هي باب رزقكم سبباً في شقائكم ودخولكم النار بسبب الغفلة والإهمال. سارعوا لتسييج أحواضكم المائية الكبيرة، وضعوا فيها وسائل نجاة، واجتهدوا في إنشاء سقايات صغيرة آمنة تجلب لكم الأجر العظيم والبركة في أهلكم وأموالكم وزروعكم. واحتسبوا الأجر عند الله في كل قطرة ماء تسقونها لحيوان أو طير، عسى أن تنالوا بذلك شكر الله ومغفرته ورضوانه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يرزقنا الرحمة والرفق في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المناقشات والتعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. شاركنا برأيك!
