من عجائب يوسف عبد السميع: ما أحلى أموال المداخلة!
من عجائب يوسف عبد السميع: ما أحلى أموال المداخلة!
كشف التناقض المصلحي والجهل بالتاريخ في طعون يوسف عبد السميع
مقدمة الكتاب
الفصول والفوائد العلمية
الفصل الأول: حقيقة منشور يوسف عبد السميع ومظاهر استهداف المنهج السلفي
يبدأ البحث في تفكيك مقولات يوسف عبد السميع من خلال تأمل منشوره الذي نشره في هذه الليالي المباركة من شهر رمضان، وهو الشهر الذي ينبغي أن يتفرغ فيه العبد لعبادة الله تعالى، والتزود من الطاعات والذكر والاستغفار، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185). بيد أن الرجل أبى إلا أن يجعل من هذا الوقت الشريف موسماً للطعن والسب والشتم والتهكم بعباد الله المسلمين السلفيين، مصوراً إياهم بصورة المتناقضين الذين يتاجرون بالمنهج. وقد كتب يوسف عبد السميع منشوراً يزعم فيه أن القميص والطاقية السوداء هما لباس الخوارج بامتياز، متهماً المحلات التي يملكها من يسميهم بالـ'مداخلة' ببيع هذا اللباس، ثم يعقب بعبارة فجة تهكمية قائلاً: 'المدخلي كول الخبز على حساب المنهج واسكت'. إن هذا الأسلوب الساخر الذي يعتمد على الغمز واللمز وإثارة الغوغاء يعكس فراغاً علمياً كبيراً، ويبين كيف يتحول النقد عند هؤلاء من الأصول المنهجية المعتبرة إلى مجرد شخصنة وسب واستهزاء بالسمت الظاهر للمسلمين. والخطير في هذا المنشور ليس مجرد السخرية، بل هو محاولة بائسة لتشويه المنهج السلفي الحقيقي بربطه تارة بالخوارج وتارة بالعمالة والمتاجرة، مستخدماً في ذلك مصطلحات مبتدعة لم ينزل الله بها من سلطان مثل 'المداخلة' لتفريق صفوف أهل السنة والجماعة، وصرف الشباب عن علمائهم الأكابر الذين يذبون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وإن السلفي الحق يربأ بنفسه عن مجالس اللغو والتهكم، لقول الله عز وجل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (النساء: 140)، فكيف بمن يبادر بنفسه بنشر الاستهزاء والسخرية بين الناس في مواسم المغفرة والرحمة؟ إن هذا السلوك يكشف عن خلل منهجي وتربوي عميق يتطلب وقفة جادة للمراجعة والتوبة.
الفصل الثاني: التاريخ الحقيقي للباس السواد وعلاقته بالخوارج
لقد ادعى يوسف عبد السميع في أطروحته الهشة أن السلفيين يتناقضون في القول بتبديع لباس السواد أو ربطه بالخوارج، والواقع التاريخي يكشف عن جهله المطبق بمسار الفتن المعاصرة في الجزائر. فالحقيقة التاريخية التي شهدها مجتمعنا الدعوي في مطلع الألفية الثانية (تحديداً بين عامي 2002 و 2004) هي أن طائفة من الخوارج المارقين ومن تأثر بمناهجهم التكفيرية، اتخذوا من لبس القميص الأسود والعمامة السوداء أو الطاقية السوداء شعاراً وعلامة فارقة تميزهم عن سائر الناس وعن عامة أهل السنة. ومن أبرز الرموز الذين كانوا يروجون لهذا السمت ويتخذونه شعاراً لهم هو أبو حفص، الذي يعد من شيوخ يوسف عبد السميع وممن يتتلمذ على طريقته المنهجية. وفي تلك الحقبة، لما صار هذا اللباس علامة مميزة لأهل البدع والفتنة والقتال والخروج على ولاة الأمر، أفتى علماء السنة والمنهج السلفي بكراهة التزيي بهذا اللباس لئلا يتشبه المرء بهؤلاء المارقين، استناداً للقاعدة النبوية العظيمة التي رواها الإمام أحمد في مسنده وصححها غير واحد من العلماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم". فقول أهل العلم بتبديع هذا اللباس أو كراهته في تلك الحقبة لم يكن حكماً لعين اللباس لذاته، بل للعوارض والملابسات التي جعلت منه علامة على طائفة مبتدعة مارقة تسفك الدماء وتستبيح الحرمات. والجهل بهذه التفاصيل التاريخية يجعل الشخص يتخبط في أحكامه، ويظن أن الأحكام الشرعية المبنية على درء المفاسد وسد الذرائع هي أحكام مطلقة لا تتبدل بتبدل أحوالها. لقد كان تبديع اللباس في تلك الفترة وسيلة لحماية الشباب من الانزلاق وراء جماعات العنف والتكفير التي اتخذت من هذا السمت غطاءً لها، حيث كان بعض الجهلة يظنون أن هذا اللباس من أصل الدين، فجاءت فتاوى العلماء لتزيل اللبس وتبين أن لزوم جماعة المسلمين وترك التشبه بالخوارج هو الواجب الشرعي المقدم على المظاهر الحادثة التي لم تكن معروفة عند سلف الأمة بالهيئة والعلة التي أحدثها الخوارج.
الفصل الثالث: فقه تغير الأحكام بتغير الأزمان والعوارض
إن الأحكام الشرعية منها ما هو توقيفي ثابت لا يقبل التغيير والتبديل كأصول العقائد والعبادات المقدرة، ومنها ما هو مبني على رعاية المصالح ودرء المفاسد ومراعاة الأعراف والعادات والعوارض، وهذا النوع الأخير يدور مع علله وأسبابه كما قرر ذلك فقهاء الإسلام المحققون. وفي مسألة لباس السواد والطاقية السوداء، يظهر بوضوح قصور يوسف عبد السميع في فهم هذا الباب الفقهي الدقيق؛ فقد غاب عنه أن كراهة لباس السواد إنما كانت معللة بكونه شعاراً للخوارج في فترة زمنية معينة. فإذا تلاشت تلك الفتنة، وزالت تلك الطائفة، وتخلى أفرادها عن هذا المظهر، أو شاع هذا اللباس بين عامة الناس وعوامهم دون أن يقترن بنحلة فاسدة أو مذهب خارجي، فإن حكم الكراهة يرتفع لزوال علته. ويؤكد هذا ما قرره الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الفذ (إعلام الموقعين عن رب العالمين) حيث عقد فصلاً كاملاً في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد. وبالتالي، فإن القول بجواز لبس السواد في أوقات السعة والأمن حيث لا يعد شعاراً لأهل البدع، لا يتناقض البتة مع القول بكراهته في أوقات الفتنة حيث يختص به أهل الضلال. إن هذا التأصيل الفقهي الراسخ يبين عمق المنهج السلفي وانضباطه بالقواعد الشرعية، بينما يبدو المعترض متخبطاً لا يفرق بين الثوابت والمتغيرات، ولا يدرك كيف يتعامل العلماء مع النوازل والظروف الطارئة التي تحيط بالأمة وتؤثر في أحكام السلوك واللباس والظهور. ومن هنا يتضح أن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185). فالتضييق على الناس في ملابسهم المعتادة بعد زوال علة التشبه يعد خروجاً عن مقاصد الشريعة السمحة، وتكليفاً بما لا يلزم، وهو ما يقع فيه الجهلة والسطحيون الذين يقفون عند ظواهر العبارات دون سبر أغوار عللها ومقاصدها الفقهية العميقة.
الفصل الرابع: قاعدة دوران الحكم مع علته وجوداً وعدماً
تعد قاعدة "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً" من القواعد الأصولية العظيمة التي تنظم فهم الشريعة وتمنع التناقض في استنباط الأحكام. وفي سياق كلام يوسف عبد السميع، فإنه يجهل تماماً تكييف هذه القاعدة على واقع الألبسة والهيئات. فلباس السواد والعمامة السوداء والقميص الأسود لم يحرمه الشرع لذاته، إذ ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس السواد، فقد روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة سوداء". ولكن الكراهة والتبديع اللذين حصلا في حقبة معينة بالجزائر كانا معللين بعلة خارجية طارئة، وهي التشبه بأهل البدع (الخوارج) الذين جعلوا من هذا السمت علامة مميزة لتنظيماتهم السرية والعلنية. فلما كثرت التفجيرات والاعتقالات في حدود عام 2006 و 2007، واختفى هؤلاء الجبناء وتخلوا عن هذا اللباس خشية الملاحقة، شاع اللباس تدريجياً بين عامة الشباب والعوام حتى سقطت منه صفة الخصوصية المبتدعة. وبسقوط هذه الصفة وزوال تلك العلة، عاد الحكم إلى أصله وهو الإباحة والجواز. فلو كان يوسف عبد السميع يملك حظاً من الفقه لأدرك أن زوال العلة يوجب زوال الحكم المعلل بها، ولما اتهم السلفيين بالتناقض حين أجازوا لبس ما كان مكروهاً بالأمس لانتفاء علته. ولكن الهوى والجهل بالقواعد الأصولية يدفعان بالمرء إلى إلقاء التهم جزافاً دون ورع علمي أو تحقيق فقهي. إن الجهل بهذه القاعدة الأصولية يوقع صاحبه في الحرج والتشديد على العباد، وربما قاده إلى القول بتحريم ما أحل الله بغير برهان. وقد حذر الله تعالى من ذلك في محكم تنزيله فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116). فالواجب على من يتصدى للكلام في شؤون الدين أن يتسلح بعلوم الأصول والقواعد الفقهية قبل أن يشرع في انتقاد الآخرين.
الفصل الخامس: التناقض المعاش والتكسب من لباس المنهج المذموم
إن من أشنع ما يقع فيه دعاة الأهواء والفتن هو التناقض الصارخ بين أقوالهم وأفعالهم، وبين ما يروجونه في منشوراتهم وبين ما يمارسونه في حياتهم العملية وتجارتهم اليومية. ويوسف عبد السميع يجسد هذا التناقض بأجلى صوره؛ فهو من جهة يخصص حسابه للطعن في السلفيين ويصف قمصانهم وقلانسهم السوداء بأنها لباس 'الخوارج' و'المداخلة' على حد تعبيره المبتدع، ومن جهة أخرى يملك محلات تجارية متخصصة في بيع هذه الملابس ذاتها! إن الرجل يستقبل أموال هؤلاء الذين يسبهم بكل أريحية وسرور، ويمارس التجارة والتكسب من وراء بيع السمت الذي يعيبه ويتهكم به في منشوراته. إن هذا السلوك يظهر بوضوح أن الغرض من هجومه وطعونه ليس الغيرة على الدين أو بيان الحق، وإنما هو الهوى والمصلحة الشخصية والبحث عن إرضاء الغوغاء والدهماء. فكيف يستقيم في عقل عاقل أن يذم المرء منهجاً ويسخر من لباس أصحابه ثم يعمر محلاته ببضائعهم ويقتات من أموالهم؟ إنها المتاجرة الرخيصة بالدين والقيم، حيث يصبح اللباس بدعة في المنشورات وحلالاً طيباً في الصندوق المالي للمحل. وهذا المسلك يكشف للعامة زيف الشعارات المرفوعة، ويدل على أن محرك هؤلاء هو الكسب المالي وحطام الدنيا الفاني، وليس الذب عن السنة وأهلها، مما يستوجب الحذر من ألاعيبهم وتناقضاتهم الفجة التي لا تنطلي إلا على الجهال. ولقد نهى الشرع الحكيم عن الازدواجية والتناقض في المبادئ، كما قال الله تبارك وتعالى ذاماً قوماً خالف فعلهم قولهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3). وإن من أعظم المقت أن يذم الإنسان لباساً ويصفه بأوصاف قبيحة، ثم يجعله مصدراً لرزقه وتجارته، فيبيع للناس ما يدعي أنه شعار البدعة والضلال، مما يثبت تهافت منطق يوسف وسقوط مصداقيته الأخلاقية والعلمية.
الفصل السادس: فقه المقاطعة والازدواجية في المواقف
من المناشير الغريبة التي دبجها يوسف عبد السميع محاولته إثبات تناقض السلفيين من خلال قضية المقاطعة التجارية. فهو يزعم أن السلفيين لما قاطعوا منتجات الصهاينة نصرة لإخوانهم المسلمين في غزة وفلسطين لعلة إعانتهم على سفك دماء المسلمين، كان يجب عليهم أيضاً مقاطعة محلات 'المداخلة' في باب الواد وغيرها لأنهم - بحسب دعواه الكاذبة - خذلوا القضية الفلسطينية وناصروا الصهاينة بطعنهم في فصائل المقاومة. والواقع أن هذا القياس الفاسد ينم عن جهل عريض وضلال مبين؛ فكيف يجرؤ مسلم على مساواة مسلمين موحدين من أهل القبلة والسنة باليهود الصهاينة الحربيين؟ إن المقاطعة الاقتصادية للعدو المحارب هي أصل مقرر شرعاً لإضعاف شوكتهم، أما مقاطعة المسلمين السلفيين وتكفيرهم أو معاملتهم معاملة المرتدين والصهاينة فهو مسلك الخوارج الغلاة الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويتركون أهل الأوثان. ثم إن التناقض الحقيقي يرتد على يوسف نفسه؛ فهو يطالب السلفيين بمقاطعة تلك المحلات، في حين أنه هو نفسه لا يقاطعها، بل يذهب بنفسه للشراء منها والتعامل مع أصحابها، ويدخل محلاتهم مبتسماً ضاحكاً يمازحهم ويتبادل معهم أطراف الحديث ومصالح التجارة! إن هذا يثبت أن دعوى المقاطعة عنده ليست إلا ورقة سياسية وإعلامية يستعملها لتهييج العوام وإحداث الوقيعة، بينما يضرب بها عرض الحائط في حياته الخاصة ركضاً وراء مصلحته وربحه التجاري. إن الشريعة المطهرة فرقت بوضوح بين الكافر الحربي والمسلم العاصي أو المخالف، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: 35-36). ومحاولة يوسف إسقاط حكم الصهاينة المحاربين على أهل السنة المنتسبين للحديث والأثر هو عين مسلك أهل الغلو والتكفير، الذين تتشابه قلوبهم وأقوالهم عبر العصور والدهور، فيكفرون بالذنوب والظنون، ويستحلون حرمات المسلمين بمثل هذه الأقيسة الباطلة والتخريجات الفاسدة.
الفصل السابع: ضرب الأمثال الفاسدة والقصور في القياس
لقد لجأ يوسف عبد السميع في بثه إلى ضرب مثل عامي لكي يدغدغ عواطف مستمعيه ويبرر دعوته للمقاطعة، فضرب مثلاً برجل اعتدى بالضرب والشتم على طفل يتيم في الحي، وتساءل مستنكراً: هل يقبل عاقل أو شهم أن يذهب بعد ذلك للشراء من محل هذا المعتدي والتعامل معه؟ وزعم أن هذا المثل ينطبق تماماً على السلفيين الذين يتعاملون مع من يصفهم بالخصوم والمخالفين. وهذا القياس الفاسد مردود عليه من عدة وجوه؛ أولها أن الخلافات المنهجية المبنية على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة لا تقاس بالخصومات الصبيانية والشخصية في الأحياء. وثانيها أن السلفيين لا يعتدون على أحد، بل يذبون عن دين الله ويبينون زيف مقالات أهل البدع بالأدلة العلمية والردود الشرعية المؤصلة. وثالثها وهو الأهم: أن يوسف عبد السميع هو أول من ينقض مثله هذا ويهدم قياسه! فهو يزعم أن هؤلاء قد أساؤوا وخذلوا، ومع ذلك تجده يتردد على محلاتهم ويتبايع معهم ويأكل من كسبهم. فلو كان صادقاً في مثله لكان أول المقاطعين، ولكنه ينهى عن خلق ويأتي بمثله، بل بأقبح منه. إن ضرب الأمثال الفاسدة ومحاولة ترويجها بين دهماء الناس هي حيلة العاجز الذي لا يملك دليلاً من الكتاب أو السنة أو كلام سلف الأمة، فيلجأ إلى العواطف والقصص الشعبية والتمثيلات السطحية ليغطي على تناقضه الفاضح وازدواجية مواقفه المصلحية. وقد ذم الله تعالى الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فقال عز من قائل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44). فالشخص الذي يدعو الجماهير إلى مقاطعة محلات بعينها لعلة الخذلان، ثم يذهب هو خفية أو جهراً للتبايع معهم وودادهم، إنما يسخر من عقول متابعيه ويبرهن على أنه يعيش في انفصام تام بين ما يكتبه بيمينه وبين ما تسعى إليه قدماه من مصالح مالية وتجارية.
الفصل الثامن: داء التلون في الدين وخطورة كثرة الخصومات
من أعظم الآفات التي تصيب الفرد فتشوش عليه دينه وتسلب منه الاستقامة والثبات هي آفة التلون والتنقل في المواقف والمنهج بحسب تغير المصالح والخصومات. وقد وصف الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى هذه الحالة بـ'الداء العضل'، وهو التنقل والتلون في الدين تارة يمنة وتارة يسرة دون وازع من علم أو ورع. وإن الناظر في حال يوسف عبد السميع يدرك بيقين أن كثرة خصوماته وجدله العقيم هما السبب الرئيس وراء هذا الاضطراب والتلون المستمر؛ فالرجل ينتقل من موقف إلى نقيضه بناءً على من يخاصمه في تلك اللحظة. ويصدق في هذا الحال الأثر العظيم الذي رواه الإمام الدارقطني وغيره عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله حيث قال: 'من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل'. فالذي يؤسس دينه ومنهجه على الخصومة وتتبع العثرات والسعي لإسقاط الآخرين بالحق وبالباطل، لا بد أن يؤول أمره إلى الحيرة والاضطراب، فيحل اليوم ما حرمه بالأمس، ويحرم غداً ما أباحه اليوم. إن التمسك بالسنة يقتضي الثبات والرسوخ ولزوم غرز العلماء الأكابر، لأن السنة مبنية على الوحي المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بينما البدعة والأهواء تتغير وتتلون بحسب التقلبات السياسية والمادية والأمزجة النفسية. لقد حذر السلف الصالح تحذيراً شديداً من التلون في الدين، فقد جاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قوله: 'إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في الدين؛ فإن دين الله واحد'. ويوسف عبد السميع بتقلباته المستمرة بين مدح جامع الجزائر وتكفير القائمين عليه، وبين ذم القميص الأسود وتجارته فيه، يمثل النموذج العملي المعاصر لهذا التلون الذي حذر منه الصحابة والتابعون.
الفصل التاسع: شبهة الغلو وتكفير المخالفين تحت ستار الرد العلمي
يتدرج دعاة الأهواء في انحرافهم حتى يصلوا إلى مراتب الغلو والتكفير المستتر أو الفاضح لخصومهم. ويوسف عبد السميع وجماعته، ومنهم سفيان جباري والهاشمي، يقدمون أدلة واضحة على هذا الانزلاق الخطير؛ ففي تسجيلاتهم وصوتياتهم يظهر جلياً أنهم يحومون حول تكفير السلفيين وإخراجهم من الملة بالكلية. فقد تساءل بعض أتباعهم في مجالسهم عما إذا كان يجوز الصلاة خلف من يسمونهم بالـ'مداخلة'، بل وصرح بعضهم صراحة بأنه لا يحل أكل ذبائحهم ولا تجوز الصلاة خلفهم لأنهم - بحسب زعمهم الباطل - ارتدوا ووالوا الكفار وعادوا الأمة. واللافت للنظر أن يوسف عبد السميع وجماعته يستمعون إلى هذا الكلام التكفيري الصريح ببهجة وتأييد، دون أن يبادروا بنكير أو نصيحة، بل يقبلونه ويروجون له. إن هذا المسلك هو تكرار وتجلي لمنهج الخوارج الذين يبدؤون بالخصومات السياسية والطعن في العلماء، ثم ينتهون باستباحة دماء المسلمين وتكفيرهم ومنع الصلاة خلفهم ورفض ذبائحهم. وإن القول بعدم جواز الصلاة خلف السلفي الموحد أو عدم أكل ذبيحته هو رمي له بالكفر الصراح والردة، وهو أمر خطير جداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" (رواه البخاري). إن هذا الغلو الفاحش يكشف المعدن الحقيقي لهؤلاء المحرضين الذين لبسوا عباءة الدفاع عن قضايا الأمة ليمرروا من خلالها سموم التكفير والاستباحة. إن الفتاوى الشاذة التي يطلقها هؤلاء الغلاة لا تنبئ إلا عن فساد في التصور العقدي، وضلال في فهم مسائل الأسماء والأحكام. فالأصل في المسلم الإسلام والعدالة، ولا يجوز إخراجه منه بظنون كاذبة أو تأويلات فاسدة يروجها دعاة الفتنة في غرفهم المغلقة وصوتياتهم المحرضة، والواجب على المسلم الحذر من هذه المناهج التكفيرية التي تهدم عرى الإسلام باسم الغيرة على الدين ونصرة المستضعفين.
الفصل العاشر: حقيقة جامع الجزائر الأعظم والتناقض المنهجي الفاضح
لا تقف تناقضات يوسف عبد السميع عند حدود التجارة واللباس، بل تتعدى ذلك إلى المواقف المنهجية الكبرى والمنشآت الإسلامية العامة. ومن أعجب شواهده قصة موقفه من جامع الجزائر الأعظم؛ فقد ظهر في مقطع فيديو وثائقي يعبر فيه عن انبهاره الشديد بهذا الصرح الإسلامي الكبير، واصفاً إياه بأنه 'تحفة عظيمة' و'فتح للإسلام'، وأنه يذكره بقصور الفتوحات الإسلامية الأولى في القرون الفاضلة، وأشاد بالراحة والسكينة والطمأنينة التي يشعر بها المصلي في رحابه. ولكن هذا الثناء العريض والمدح المبالغ فيه يتصادم تصادماً كلياً مع أصوله المنهجية التي يقررها في منشوراته الأخرى! فهو وجماعته يشنون حملات شعواء على كل من يتردد على هذا الجامع أو يتعاون مع القائمين عليه، ويصفون الدولة والعلماء الرسميين بأوصاف التبديع والتضليل والموالاة. فكيف يكون المسجد صرحاً عظيماً وفتحاً للإسلام في مقاطعه الدعائية، ثم يصبح أصحابه والقائمون عليه وبناته محل طعن وتكفير وتبديع في منشوراته التحريضية؟ إن هذا الانفصام المنهجي يثبت أن الرجل لا ينطلق من ثوابت شرعية مستقرة، بل تحكمه الظروف الدعائية والبحث عن تحسين صورته أمام الجماهير تارة بالظهور بمظهر الوطني الحريص على معالم بلده، وتارة بالظهور بمظهر الثائر المحرض لإرضاء رغبات التكفيريين والغلاة. وهذا التقلب الفج يبين تهافت منهجه وافتقاده للصدق والاتساق. ولقد علمنا ربنا تبارك وتعالى أن الصدق والعدل هما جماع الخير كله، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (الأنعام: 115). والمنهج السلفي المصفى يقوم على الصدق في الأقوال والعدل مع الخلق، بينما أصحاب الأهواء يتقلبون مع مصالحهم الشخصية، فيمدحون الشيء في موطن ويذمونه في موطن آخر بدافع المصلحة والدعاية، مما يفقدهم الأمانة العلمية ويسقط هيبتهم من قلوب العقلاء.
الفصل الحادي عشر: خطورة الطعن والتهكم بالمسلمين في الليالي الفاضلة
إن الإسلام رغب المسلمين في حفظ ألسنتهم وصيانتها عن اللغو والآثام، ولا سيما في الأوقات الشريفة كأيام رمضان ولياليه الفاضلة التي يتضاعف فيها الأجر وتفتح فيها أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: 'من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه'. غير أن يوسف عبد السميع ضرب بهذا التوجيه النبوي الكريم عرض الحائط، مفرغاً وقته في هذه الليالي المباركة لبث الضغائن وتدبيج المنشورات المليئة بالسخرية والاستهزاء بالمسلمين الموحدين. والتهكم بالمسلمين والطعن في نياتهم ومناهجهم بغير حق هو من كبائر الذنوب التي توجب مقت الله وعقابه، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ (الحجرات: 11). وإن الاشتغال بعيوب الآخرين وسبهم وتجريحهم في شهر الطاعة يعكس إفلاساً روحياً وخلقياً؛ فبدل أن يتجه العبد إلى ربه بالاستغفار والضراعة، نراه يجمع على نفسه أوزار الغيبة والبهتان وتفريق كلمة المسلمين. والواجب على كل مسلم مشفق على نفسه أن ينأى بها عن مثل هذه المسالك الوخيمة، وأن يعلم أن الكلمة مسؤولية وأمانة سيحاسب عليها بين يدي الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18). إن اللحوم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وإن من أطلق لسانه في العلماء والدعاة بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب. فالنصيحة الصادقة ليوسف عبد السميع وغيره من المفتونين بالظهور الإعلامي السريع هي أن يقبلوا على شؤون أنفسهم، ويستثمروا هذه الأيام المباركة في التوبة النصوح والتصالح مع عباد الله، بدلاً من اتخاذ حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي حوانيت لتصفية الحسابات ونشر الأحقاد.
تنبيهات منهجية وقواعد سلفية
الضابط الأول: قاعدة تغير الأحكام والفتوى تبعاً لتغير العوارض والملابسات
أن الأحكام المتعلقة باللباس والهيئات والعادات ليست جامدة، بل تتأثر بالملابسات كالتشبه بأهل الفتن. فإذا زال شعار أهل البدع وارتفعت الفتنة، عاد الحكم إلى أصله وهو الإباحة، عملاً بقاعدة "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً".
الضابط الثاني: وجوب الحذر من التلون والاضطراب في الدين
الثبات على المنهج السلفي المأخوذ من الوحي وفهم الصحابة هو الواجب، وكثرة الخصومات والجدال تؤدي بالمرء إلى التلون وتغيير مواقفه بحسب الأهواء، وهو "الداء العضل" الذي حذر منه السلف الصالح.
الضابط الثالث: التفريق بين المقاطعة الشرعية للأعداء الحربيين وبين مقاطعة المسلمين السلفيين
لا يجوز شرعاً مساواة المسلمين بالصهاينة أو الكفار الحربيين في باب المقاطعة والتعامل، لأن إسقاط أحكام الكفار الحربيين على الموحدين هو مسلك الخوارج المارقين الذين يكفرون بالظنون والذنوب.
الضابط الرابع: لزوم الصدق والاتساق بين القول والعمل في باب التجارة والدعوة
من قبيح التناقض أن يذم الشخص لباساً أو سمتاً ويصف أهله بأبشع الأوصاف، ثم يتاجر بذات اللباس ويتكسب من ورائه، فالتجارة بالدين وإظهار خلاف ما يبطن المرء من أجل المكاسب المادية يسقط مصداقيته ويهدم دعوته.
القصص واللطائف التربوية
اللطيفة الأولى: أثر كثرة الخصومات في التنقل والتلون
ذكر عمر بن عبد العزيز رحمه الله قاعدة سلوكية عظيمة قوامها: "من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل". وفي واقعنا المعاصر، نرى بوضوح كيف يتنقل بعض النشطاء الإعلاميين من التكفير والتبديع والتحريض إلى المدح والثناء المبالغ فيه لبعض الصروح والمنشآت بناءً على تقلب خصوماتهم الشخصية، مما يؤكد بعدهم عن الرسوخ العلمي والأخلاقي.
اللطيفة الثانية: حقيقة التجارة بالسمت الظاهر والتناقض المالي
قصة التاجر الذي يملأ صفحاته الافتراضية بالطعن في فئة من المسلمين ورميهم بالبدعة والخروج، ثم يعمر رفوف محلاته التجارية بملابسهم ويستقبل أموالهم بابتسامة عريضة وترحاب حار. هذه اللطيفة التربوية تكشف للشباب أن كثيراً من دعاوى الغيرة المنهجية هي في الحقيقة تجارة دنيوية مغلفة بغلاف الدين، وأن الصادق هو من يطابق فعله قوله في السر والعلن.
وصية ختامية
وختاماً، فإن النصيحة العظيمة التي نسديها لشباب أهل السنة والجماعة في بلاد الجزائر وفي سائر بلاد المسلمين، هي لزوم غرز العلماء الأكابر الموثوق في علمهم ودينهم، والابتعاد عن المشاغبات الإعلامية والخصومات الصبيانية التي يقودها بعض النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي. إن المنهج السلفي منهج علم وعدل، ودعوة توحيد وسنة، وليس منهج سب وتكفير ومهاترات وتلون. كما نتوجه بالدعوة والنصيحة ليوسف عبد السميع أن يتقي الله تعالى في نفسه وفي دينه، وأن يستثمر الليالي والأيام الفاضلة في التوبة النصوح والإنابة، وتطهير محلاته وتصرفاته من التناقضات الفاضحة، متمثلين قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119). نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المناقشات والتعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. شاركنا برأيك!
