أصارحكم!
أصارحكم!
وقفات مع فقه الدعوة إلى الله والتحذير من اليأس في دعوة المخالفين
مقدمة الكتاب
الفصول والفوائد العلمية
الفصل الأول: طرد اليأس وفقه هداية الخلق
إن من أوجب الواجبات المنهجية والشرعية التي يتعين على الداعية إلى الله تعالى استصحابها في مسيرته الدعوية أن يطرد اليأس والقنوط من قلبه بالكلية تجاه هداية الخلق وصلاح أحوالهم، مهما عظم كفرهم، أو اشتدت بدعتهم، أو غلظت معصيتهم، وجاوزوا الحد في المخالفة والعناد. فالقلوب بيد الله سبحانه وتعالى وحده, يقلبها كيف يشاء ويصرفها أنى أراد، ومفاتيح الهداية والقبول والتوفيق بيد رب الأرض والسموات لا شريك له، كما قال سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه ورسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: 56). وإن استبعاد هداية المخالفين -سواء كانوا كفاراً أصليين من اليهود والنصارى أو عبدة الأوثان كالهندوس وعبدة الشيطان، أو كانوا من أهل البدع والضلال والجهالات- إنما هو نابع في حقيقته من ضعف اليقين بقدرة الله عز وجل المطلقة وعظيم رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء". فالواجب الشرعي على الداعية البصير هو بذل الجهد والقيام بالبلاغ المبين بصدق وإخلاص، مع تنويع الأساليب والرفق بالمدعوين، دون أن ينصب نفسه محاسباً للناس أو مستعجلاً للنتائج الثمرية، مستحضراً دائماً أن الله تعالى قادر على إخراج الحي من الميت، وهداية أعتى القلوب كفراً وضلالاً في لحظة واحدة إذا سبقت له الكلمة الحسنى والمشيئة النافذة من ربه، فما على الداعية إلا البذر والقيام بواجب الدعوة والبيان وعلى الله تعالى وحده النماء والتوفيق والقبول.
الفصل الثاني: علو الهمة والطمع في هداية الخلق
يرتبط طرد اليأس من قلوب الدعاة بعلو همتهم وقوة طمعهم ورجائهم العظيم في أن يهدي الله على أيديهم الخلق أجمعين، وينقذهم بهم من ظلمات الضلال إلى نور الإسلام. إن الهمة العالية هي المحرك الأساسي والدينامو الفعال الذي يدفع الداعية إلى بذل وسعه، وتكلف المشاق البدنية والمالية، والصبر على أذى المدعوين وجفائهم في سبيل تبليغ دعوة التوحيد ونشر السنة الغراء. وإذا تمكن هذا الطمع النبيل والرجاء الصادق من نفس الداعية، فإنه يبادر بكل نشاط وحرص إلى فتح قنوات التواصل الدعوي بأسلوب رفيق رحيم، مستحضراً عظم الأجر والثواب الجزيل المترتب على هداية نفس واحدة، كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته العظيمة والجامعة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم خيبر حين قال له: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم" (رواه البخاري ومسلم). وإن هذا الأجر العظيم يتضاعف تضاعفاً هائلاً لا يدرك كنهه إلا الله عندما يكون الداعية سبباً في إنقاذ كافر أو مشرك أو ملحد من ربقة الكفر والخلود الأبدي في نار جهنم، ليدخل في رحاب الإسلام وعقيدة التوحيد السمحة، فيكون للداعية مثل أجور أعمال هذا المهتدي الصالحة وصلاته وصيامه وذكره دون أن ينقص من أجورهم شيء. هذا الطمع الصادق والهم العظيم هو الذي يبعث في النفس النشاط المتواصل، ويذهب عنها الكسل والملل، ويجعل الداعية دائم التفكر والبحث عن أنجع الوسائل والأساليب المباحة شرعاً لإيصال نور الحق إلى قلوب الناس برفق وأدب وسكينة.
الفصل الثالث: قيمة تجارب العلماء الربانيين في معالجة القضايا
إن القراءة العابرة والمستعجلة لكلمات العلماء الربانيين ومواعظهم المنهجية دون تلمس مقاصدها العميقة ودلالاتها العملية تفوت على طالب العلم خيراً كثيراً وبصيرة دعوية نافذة تعينه على فهم الواقع وحسن معالجته. فالعلماء الأكابر والأئمة الأعلام، ولا سيما أولئك الذين طافوا بلاد الإسلام وعالجوا قضايا الأمة الكبرى وعاشروا مختلف الطوائف والمناهج العقدية والفكرية، يمتلكون خبرة واسعة مستمدة من نصوص الشريعة المقترنة بفهم الواقع المعاش. ومثال ذلك جلياً في مواقف وتوجيهات العلامة ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله تعالى ورعاه-، الذي لم يقتصر في علمه ودعوته على بطون الكتب وقاعات التدريس فحسب، بل كان رحالة داعية مجاهداً، جاب بلاد الهند وباكستان وغيرها من أقطار الأرض، ووقف بنفسه على أحوال الناس وعقائدهم وعباداتهم الباطلة. ومن ثمرات هذه التجربة الدعوية الغنية ما يذكره الشيخ من وجود عقلاء من الهندوس يتطلعون بشوق إلى معرفة الإسلام ولديهم رغبة صادقة في الدخول فيه عند تبيين الحق لهم بالرفق والحكمة والموعظة الحسنة. فالنظر في كلام مثل هذا العالم الخبير الممارس يورث الداعية فقهًا واقعيًا رصينًا يمنعه من إطلاق الأحكام العامة الجائرة، ويحثه على سلوك مسالك الأنبياء في الصبر على المدعوين ومعاملة كل صنف بما يناسب حاله من العلم والرفق واللين. ولا شك أن هذا الفقه العملي هو الذي يفتح القلوب المغلقة، ويهدي النفوس التائهة، ويجعل الدعوة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108)، فالبصيرة بالواقع مكملة للبصيرة بالوحي والشرع.
الفصل الرابع: شمولية المسؤولية الدعوية ودور عامة المسلمين
يعتقد كثير من المسلمين اعتقاداً خاطئاً أن الدعوة إلى الله عز وجل ونشر شرائعه هي وظيفة مقصورة بالكلية على كبار العلماء والفقهاء وطلبة العلم المتخصصين فحسب، مما يجعلهم يحجمون عن بذل أي جهد دعوي أو إصلاحي في محيطهم ومجتمعهم. والتحقيق العلمي المنهجي يقتضي بيان أن الدعوة إلى الله مراتب متعددة، وأن كل مسلم مطالب بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب ما يملك من علم شرعي وقدرة بدنية أو مالية أو خلقية. ومن أعظم وأوسع أبواب الدعوة التي يمكن لعامة المسلمين وعوامهم ولوجها بل والتميز والسبق فيها: باب حسن الخلق والمعاملة الطيبة بصدق وأمانة وسماحة. وإن التاريخ الإسلامي ليشهد شهادة صدق لا مرية فيها بأن الإسلام لم يفتح كثيراً من الأقطار النائية والقارات المترامية كبلاد شرق آسيا وأفريقيا بحد السيف أو بالمناظرات العقدية والجدل الكلامي المعقد، بل دخلها الناس أفواجاً وتأثروا بدين الله بفضل معاملات التجار المسلمين الصادقين الذين تمسكوا بأخلاق الإسلام في بيعهم وشرائهم وصدقهم وأمانتهم ووفائهم بالعهود. فلا ينبغي للمسلم العامي أن يستصغر نفسه أو يظن أنه غير معني بدعوة الكفار أو نصح العصاة، بل عليه أن يعلم أن التزامه بالخلق النبيل والسلوك القويم في تعاملاته اليومية هو رسالة صامتة بليغة الأثر تفوق في كثير من الأحيان مئات الخطب والمحاضرات المنبرية، مع التزامه التام بعدم التكلم في مسائل الدين والشرع بغير علم راسخ.
الفصل الخامس: مجاهدة النفس في اكتساب الأخلاق وتحسين المعاملة
إن التحلي بمكارم الأخلاق وسلوك مسالك الرفق واللين مع المدعوين والمخالفين ليس بالأمر السهل الهين الذي يولد مع الإنسان تلقائياً في كل حين، بل هو مقام شريف ومرتقى صعب يحتاج إلى مجاهدة عظيمة للنفس، وتدريب مستمر وتكلف للفضائل حتى تصبح سجايا وطبائع راسخة في الكيان. ولقد أرشدنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى هذا القانون التربوي العظيم والسنة النفسية المطردة بقوله: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم" (رواه الخطيب البغدادي وصححه الألباني). فالداعية أو المسلم الذي يجد في طبعه جفاء أو غلظة أو سرعة غضب، مطالب شرعاً بأن يجاهد نفسه على التلطف والرفق ومداراة الناس والتبسم في وجوههم، وتكلف الأخلاق الفاضلة رجاء هدايتهم وفوزهم بالحق، مقتدياً في ذلك بمداراة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لأقوامهم وصبرهم على غليظ كلامهم وجفائهم. وإن هذه المداراة المشروعة -وهي بذل الدنيا وصبر النفس لصيانة الدين واستمالة القلوب وكف الشر- تختلف اختلافاً جذرياً عن المداهنة المحرمة وهي بذل الدين والتنازل عن ثوابته من أجل مصالح الدنيا أو إرضاء الخلق. فمتى ما وطن المسلم نفسه على تكلف الأخلاق الحسنة والتحلم والصبر على جفاء الخلق ابتغاء وجه الله تعالى وتطبيقا لسنته، وهبه الله تعالى ملكة راسخة وسلوكاً ذاتياً يجلب القلوب المغلقة ويهدي النفوس الشاردة بإذن الله تعالى.
الفصل السادس: فقه الأولويات والبدء بدعوة الأقربين
من المزالق الدعوية المنهجية التي تقع فيها طائفة من الشباب الصادقين المتحمسين للدين هو الانشغال بالقضايا الكبرى والآفاق البعيدة مع إهمال الواجبات العينية والقريبة التي تقع تحت أيديهم ومسؤوليتهم المباشرة. فتجد الشاب يتطلع بكل مشاعره وأفكاره لدعوة الكفار في أقاصي الأرض أو المناظرات الدولية، في حين أنه يهمل دعوة أهل بيته من زوجة وأولاد وإخوة، ويغفل عن جيرانه وأقاربه وعموم المسلمين من حوله الذين وقعوا في الفسوق والكبائر وترك الصلوات. إن فقه الأولويات في الشريعة الإسلامية يوجب البدء بالأقرب فالأقرب في النصح والإرشاد، كما أمر الله جل وعلا نبيه الكريم في محكم التنزيل بقوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214)، وكما قال سبحانه وتعالى في شأن وقاية الأهل من النار وتأديبهم وتعليمهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6). إن المسلم العاصي الذي يعيش في كنفك أو يجاوز جدار بيتك هو أولى الناس بنصحك وإحسانك وأخلاقك العالية وصبرك ليرتدع عن معصيته ويثوب إلى رشده، وإصلاح الداخل مقدم دائماً في الرتبة على التطلع إلى الخارج، وصيانة بيوت المسلمين وتطهيرها من المنكرات هي اللبنة الأساسية والأولى في بناء المجتمع الإسلامي الراشد والداعي الناجح.
الفصل السابع: خطورة تصدر الجهال والعوام في النوازل
لقد انتشرت في الأونة الأخيرة عبر فضاء وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت ظاهرة خطيرة ومقلقة للغاية، تكمن في تصدر بعض العوام والجهال للحديث في مسائل الدين الدقيقة وقضايا الأمة المصيرية التي تسمى في عرف العلماء بالنوازل العامة والملمات الكبرى. فتجد أحدهم يستهل كلامه أو منشوره بالاعتراف بقلة بضاعته وأنه مجرد عامي بسيط لا يملك من أدوات العلم الشرعي وآلات الاستنباط شيئاً، ولكنه يعقب ذلك الاعتراف بالخوض العنيف والجرأة البالغة والتهور في مسائل الاعتقاد المعقدة، والفقه النوازلي، والخصومات المنهجية والجرح والتعديل التي يتحرج منها كبار العلماء الربانيين الراسخين في العلم. إن هذا الصنيع هو من التناقض المشين والجرأة المهلكة على شرع الله جل وعلا، والقول عليه بلا علم الذي قرنه الله بالشرك في كتابه العزيز، كما قال سبحانه وتعالى محذراً من القول عليه بلا علم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). إن واجب العامي الذي لا يملك زمام العلم عند جهله بالمسائل هو السؤال والرجوع إلى كلام أهل العلم الربانيين والاكتفاء بنقله بأمانة ودقة دون زيادة أو تعليق أو تحليل شخصي، لا أن ينصب نفسه حكماً ومفتياً ومقرراً في القضايا الدعوية والنوازل الكبرى التي تحتاج إلى عقول وافرة وعلوم راسخة وتجارب دعوية طويلة لا تتوفر إلا للأكابر من ورثة الأنبياء.
الفصل الثامن: كف الشر عن الناس صدقة عظيمة
إن من عظيم محاسن الشريعة الإسلامية وسعتها ورحمتها بالخلق أنها فتحت للعبد أبواب الخير والصدقة حتى في أوقات ضعفه وعجزه وقلة حيلته وعدم قدرته على القيام بالعبادات المتعدية. فإذا علم المسلم من نفسه قصوراً ظاهراً في العلم الشرعي وأنه غير قادر على ممارسة الدعوة إلى الله والحديث في شؤون الدين والمنهج بطريقة صحيحة تدرأ المفاسد وتجلب المصالح، بل يغلب على ظنه ويقينه أنه بكلامه وخوضه قد يفسد أكثر مما يصلح ويفتن الناس ويثير الشبهات، فإن الشرع المطهر يوجهه إلى لزوم الصمت وكف لسانه وقلمه وقمع نفسه عن الخوض فيما لا يعلم ولا يتقن. وهذا الصمت والكف هو في حقيقته صدقة عظيمة يتصدق بها المرء على نفسه ويحمي بها مجتمعه من شروره وآرائه المرتجلة، كما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل عند الضعف والعجز فقال له عليه الصلاة والسلام: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك". فكف اللسان والامتناع عن نشر الشبهات والآراء الفاسدة والخوض بغير علم في دين الله والسكوت عند الجهل هو من أعظم الصدقات وأجل القربات في أزمنة الفتن واختلاط الأمور، وحفظ حمى الإسلام وعقائد المسلمين من تطاول الجهلاء مقدم في رتب الشريعة على توهم نصرة الدين بالجهل والآراء الشخصية الفاسدة.
الفصل التاسع: مراتب الخلق في الدعوة وقواعد السلوك الدعوي
لقد قعد الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الحافل "مفتاح دار السعادة" قاعدة ذهبية ودستوراً جامعاً في فقه السلوك الدعوي وتصنيف مراتب الخلق وطرق دعوتهم، استنباطاً وتفصيلاً من قول الله جل وعلا في محكم كتابه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَا هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125). فبين رحمه الله أن المدعوين ينقسمون إلى ثلاثة أصناف لا رابع لها بحسب استعداد نفوسهم وقبولها للحق والهدى. الصنف الأول: وهو المستجيب القابل الزكي الذي يطلب الحق ويبحث عنه ولا يعانده، فهذا يدعى بطريق "الحكمة" التي هي وضع الشيء في موضعه اللائق ببيان الحق بالدليل الشرعي الواضح المقنع. والصنف الثاني: وهو القابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر في الفهم والادراك والعمل، غارق في شهواته أو معاصيه وتكاسله، فهذا يدعى بـ "الموعظة الحسنة" المقرونة بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد لإيقاظ قلبه وتحريك مشاعره الراقدة. والصنف الثالث: وهو المعاند الجاحد الشرس الذي يدفع الحق بالباطل ويجادل شبهة، فهذا لا يهمل بل "يُجادل بالتي هي أحسن" بمقارعة الحجة بالحجة والرفق به واللطف لعله يثوب إلى رشده ويكسر حدة عناده. وإن فهم هذه المراتب الثلاث يقي الداعية مغبة الخلط العظيم في معاملة الناس، ويمنعه من مخاطبة العامي الغافل بأسلوب المعاند الجاحد مما ينفره ويصده عن السبيل المستقيم.
الفصل العاشر: التوكل على الله في نيل الأخلاق الحسنة
إن نيل مكارم الأخلاق والتحلي بالرفق واللين وسعة الصدر في دعوة الخلق لا يمكن بحال من الأحوال أن يتحقق بمجرد الرغبة البشرية المجردة أو القوة النفسية الذاتية والتربية الذاتية، بل هو هبة إلهية محضة وتوفيق رباني يستلزم اللجوء الصادق إلى الله وتوحيده والتوكل عليه في نيل هذا المطلب الشريف ومكابدة النفس لتحصيله. ولقد خاطب الله عز وجل نبيه المصطفى ورسوله المجتبى صلى الله عليه وسلم مبيناً له أن لين جانبه وسهولة خلقه مع أصحابه ومدعويه إنما هو أثر مباشر من آثار رحمة الله وفضله العظيم عليه، فقال جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159). فإذا كان هذا الخطاب الرباني موجهاً لسيد الخلق أجمعين والمعصوم المؤيد بالوحي الإلهي، فكيف بمن سواه من عامة الدعاة وأفراد الأمة الإسلامية؟ إن التوكل على الله عز وجل لا يقتصر فقط على جلب الأرزاق المادية الدنيوية كالأموال في التجارات والوظائف والمهن، بل إن التوكل عليه سبحانه في تحصيل المقاصد الدينية والأخلاق الفاضلة وصلاح القلوب وزكاتها هو من أعلى مقامات الدين وأرفعها رتبة. فعلى كل من يجد في نفسه ثقلاً وصعوبة في معاملة الناس بالحسنى أو الصبر على جفائهم وأذاهم أن يطرق باب الدعاء بصدق وانكسار، ويلح على ربه ليل نهار في أوقات الإجابة الشريفة أن يرزقه خلقاً حسناً وصدراً رحباً يبلّغ به شرع ربه ويهدي به عباده.
الفصل الحادي عشر: الذب عن عرض العلامة ربيع بن هادي المدخلي وبسط إنصافه
يتعرض العلامة ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله تعالى ورعاه- لحملة جائرة وظالمة من الكذب والتزوير والافتراء الممنهج من قبل بعض المغرضين وأصحاب المناهج الملتوية والأهواء المبتدعة، الذين يتهمونه زوراً وبهتاناً بأنه يفرق صفوف المسلمين، ويطعن في الدعاة الصادقين، ويزعمون كذباً أنه لا يتكلم عن مكارم الأخلاق والرفق بالخلق إلا إذا رد عليه أحد أو وقعت فتنة وخصومة منهجية بينه وبين بعض مخالفيه من المنتسبين للدعوة. والواقع العلمي والتاريخ الدعوي الحافل للشيخ يبطلان هذه التهم الباطلة والدعاوى الكاذبة من أساسها لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. فالشيخ ربيع حفظه الله يعتبر بشهادة الأكابر من أحرص علماء العصر الحديث على وحدة الأمة واجتماع كلمتها على التوحيد والسنة، ويمتلئ تراثه العلمي والمنهجي والتربوي الممتد لعقود طويلة بالدعوة المتواصلة إلى الرفق واللين وتحسين الأخلاق والشفقة العظيمة على الخلق مسلمين وكفاراً، والحرص على نجاتهم من النار. وإن ردود الشيخ الشديدة لم تكن يوماً انتصاراً للنفس أو طلباً للخصومات الشخصية، بل كانت ذباً واجباً عن حياض السنة النبوية الشريفة ورداً علمياً رصيناً على غلاة المبتدعة والحدادية والمفرقة الذين عاثوا في ساحة الدعوة فساداً وشقاقاً وجفاءً غليظاً، فنصحهم الشيخ سراً وعلناً وصبر عليهم طويلاً فلم يزدادوا إلا عتواً ونفوراً.
الفصل الثاني عشر: معالم المنهج السلفي في رد الفتن وإصلاح ذات البين
إن المنهج السلفي الأصيل والقويم في التعامل مع الفتن المعاصرة والخصومات الدعوية يتجلى بكل وضوح وجلاء في مواقف وتوجيهات العلماء الأكابر كالشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى. فالشيخ لم يكن يوماً محباً للخصومات أو ساعياً وراء الفتن والشقاق، بل كان يتدخل دوماً بصفة المصلح الناصح والمنبه الشفيق على الأخطاء والانحرافات برفق وحكمة بالغة وأبوة حانية يسع بها الجميع. وعندما تظهر المدرسة الحدادية الغالية أو طائفة المفرقة المحدثة بشدتها المفرطة وجفائها المقيت وطعنها في أئمة الإسلام والسنن، كان الشيخ ربيع هو أول من تصدى لهذه المسالك المنحرفة لبيان أن الدين يسر ورحمة وأن السنة النبوية مبنية على العلم والعدل والرحمة بالخلق أجمعين. ولكن يأبى أصحاب المناهج الملتوية والمصالح الحزبية إلا أن يصوروا ردوده العلمية والمنهجية الواجبة كأنها خصومة شخصية مع هذا الطرف أو ذاك. إن الذب عن السنة النبوية ومحاربة الغلو والتميع هما من أعظم مراتب الجهاد بالكلمة والحجة والبيان، والداعية السلفي يقتفي أثر هؤلاء الكبار في الصبر على التهم الباطلة، والثبات على المنهج القويم، ونشر الحق برفق وعلم، والوقوف سداً منيعاً أمام كل محاولات تمزيق الصف السلفي أو إدخال الشدة الغالية أو التميع المفرط في صفوف الدعوة إلى الله عز وجل.
تنبيهات منهجية وقواعد سلفية
القصص واللطائف التربوية
وصية ختامية
المناقشات والتعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. شاركنا برأيك!
